كشفت صحيفة The Washington Post في تحقيق موسّع عن تحوّل لافت في خطاب رجل الأعمال الأمريكي Elon Musk، حيث باتت قضايا العِرق تحتل مساحة متزايدة من حضوره على منصات التواصل، في تطور يثير جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، لم يعد حساب ماسك على منصة X مجرد مساحة لعرض رؤيته التكنولوجية أو الاقتصادية، بل تحوّل تدريجيًا إلى منصة لطرح مواقف سياسية وثقافية حادة، خاصة فيما يتعلق بما يصفه بـ”التهديدات التي تواجه البيض في الغرب”.
تغريدات مثيرة للجدل
في يناير الماضي، كتب ماسك في منشور حصد ملايين المشاهدات:
“البيض أقلية تتلاشى بسرعة”
وفي فبراير، عاد ليصعّد من لهجته قائلًا:
“هناك كراهية مستمرة ودعاية سامة في الغرب ضد أي شخص أبيض، سواء كان ذكرًا أو غير ذلك، على مدى العقد الماضي أو أكثر… كفى تأنيب ضمير. كفى”
هذه التصريحات، التي حظيت بتفاعل واسع، اعتُبرت من قبل باحثين ومراقبين جزءًا من خطاب أوسع يتقاطع مع نظريات “الاستبدال الديموغرافي”، وهي سرديات طالما ارتبطت بخطابات اليمين المتطرف في الغرب.
أرقام تكشف التحول
تحليل “واشنطن بوست”، الذي استند إلى مراجعة أكثر من 65 ألف منشور، أظهر أن ماسك نشر ما يقارب 850 منشورًا متعلقًا بالعِرق خلال الأشهر السبعة الماضية فقط، أي ما يعادل نحو 6% من إجمالي نشاطه — وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف المعدل المسجل خلال العامين السابقين.
كما بيّن التحليل أن ماسك تناول هذه القضايا بشكل شبه يومي، إذ نشر حولها في 166 يومًا من أصل 197 يومًا، فيما تضمنت أكثر من نصف هذه المنشورات كلمة “أبيض”، في مؤشر واضح على مركزية هذا الموضوع في خطابه الجديد.
من الدفاع إلى الاتهام
لم يقتصر خطاب ماسك على التحذير مما يراه “تراجعًا ديموغرافيًا”، بل امتد إلى اتهامات مباشرة بوجود “تمييز عكسي” ضد البيض، سواء في سوق العمل أو في الخطاب العام.
كما أشاد بدور البيض في إنهاء العبودية، وانتقد شخصيات عامة، بل وحتى أدوات ذكاء اصطناعي، متهمًا إياها بممارسة “عنصرية” ضد البيض والآسيويين.
وفي سياق متصل، خاض ماسك نقاشات سياسية حول جنوب أفريقيا، بلده الأصلي، معتبرًا أنها تمارس سياسات تمييزية ضد البيض في مرحلة ما بعد الفصل العنصري — وهي تصريحات أثارت بدورها ردود فعل واسعة.
اتهامات بتبني خطاب متطرف
هذا التحول في خطاب ماسك دفع عددًا من الباحثين في قضايا التطرف إلى دق ناقوس الخطر. إذ قالت هايدي بيريش، الشريكة المؤسسة لمشروع مكافحة الكراهية والتطرف العالمي:
“بقدر ما أستطيع أن أرى، فإن ماسك يتبنى الآن نقاط الحديث التقليدية لتفوق العرق الأبيض”
مضيفة:
“لا يمكنك أن تجد ما هو أكثر تطرفًا في تفوق العرق الأبيض من الأمور التي يدعمها أو يروج لها ماسك”.
لحظة “سقوط القناع”
من بين أكثر اللحظات إثارة للجدل، تفاعل ماسك مع منشور يقول إن البيض أمام خيارين:
“إما أن يُهزموا أو يُستعبدوا أو يُبادوا، أو أن يستعيدوا أوطانهم وكرامتهم”
ليكتفي بالرد بكلمة واحدة:
“نعم”
هذه الواقعة اعتبرها أحد المستثمرين “لحظة سقوط القناع بالكامل”، قبل أن يعلن تخارجه من استثماراته في شركة Tesla، مشيرًا إلى أن تصريحات ماسك الأخيرة لا يمكن فصلها عن خطاب “القومية البيضاء”.
تأثير على الأعمال
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس يواجه فيه ماسك تحديات اقتصادية متزايدة. فشركة Tesla تعاني من تراجع في المبيعات، بينما تستعد SpaceX لطرح محتمل في البورصة، في خطوة قد تمثل اختبارًا حقيقيًا لتأثير مواقف ماسك السياسية على ثقة المستثمرين.
كما يعمل ماسك على إعادة توجيه شركاته نحو مجالات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، في ظل منافسة متزايدة من شركات كبرى مثل Google و**Anthropic**.
انقسام بين المستثمرين
ورغم الجدل، لا يزال جزء من المستثمرين يتعامل مع تصريحات ماسك باعتبارها “ضريبة إيلون”، في إشارة إلى تقبل سلوكياته المثيرة للجدل مقابل العوائد الاقتصادية المحتملة.
وقال أحد خبراء السوق:
“قد يكون من السيئ قول ذلك، لكن يبدو أن المجتمع لا يعطي وزنًا كافيًا لمثل هذه التصريحات… الرأسمالية تتفوق على الأخلاق”
في المقابل، يرى آخرون أن استمرار هذا الخطاب قد يضر بسمعة شركاته على المدى الطويل، خاصة في ظل تصاعد الحساسية العالمية تجاه قضايا العنصرية والتمييز.
تناقض مع الرأي العام
تقرير “واشنطن بوست” أشار أيضًا إلى أن مواقف ماسك تتعارض مع اتجاهات الرأي العام الأمريكي، حيث أظهر استطلاع لمركز Pew أن 12% فقط من الأمريكيين يعتقدون أن البيض يتعرضون لتمييز كبير، وهي أدنى نسبة بين جميع الفئات.
في حين أظهر استطلاع آخر أن غالبية الأمريكيين يرون أن الأقليات العرقية لا تحظى بنفس الفرص التي يتمتع بها البيض.
خطاب جديد أم انعكاس لتحول أوسع؟
يخلص التقرير إلى أن خطاب ماسك لا يمكن فصله عن تحولات أوسع يشهدها المجال العام في الولايات المتحدة، حيث أصبحت بعض الأفكار التي كانت تُصنّف سابقًا على أنها هامشية أو متطرفة جزءًا من النقاش العام.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن صعود شخصيات سياسية مثل Donald Trump ساهم في إعادة تشكيل حدود المقبول في الخطاب السياسي والإعلامي، وهو ما أتاح مساحة أوسع لطرح مثل هذه الأفكار.
واعتمد التقرير على تحليل أكثر من 65 ألف منشور باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع دقة بلغت 93% في تصنيف المحتوى المرتبط بالعِرق.

