أكد الدكتور نور أسامة، استشاري تعديل السلوك، أن الأم تمثل القوة الخفية التي تبني شخصية الأبناء وتصنع نجاحهم على مدار حياتهم، موضحاً أن مواقف تبدو بسيطة قد تترك أثراً نفسياً عميقاً يغيّر مسار الإنسان بالكامل.
وخلال ظهوره في برنامج «قيمة» المذاع على قناة «الناس»، أشار إلى قصة لطبيب نفسي عالمي روى أنه في طفولته أسقط زجاجة لبن فانكسرت، وكان يخشى أن تتعامل والدته معه بعصبية، إلا أنها تعاملت بهدوء، وطلبت منه تنظيف اللبن المسكوب، بينما تولت هي إزالة الزجاج المكسور، ثم جلست تشرح له الطريقة الصحيحة لحمل الزجاجة سواء كانت ممتلئة أو فارغة. وأكد الطبيب أن هذا الموقف البسيط غيّر نظرته للحياة، ومنحه درساً عملياً في التعلم من الخطأ بدلاً من الخوف منه، وهو ما كان له أثر كبير في مسيرته حتى أصبح من أشهر الأطباء النفسيين في العالم.
وأضاف نور أسامة أن هناك قصة حقيقية أخرى تجسد معنى التضحية، حيث توفي زوج إحدى السيدات في ظروف حرب صعبة وترك لها طفلاً صغيراً، فاضطرت للعمل في أكثر من وظيفة حتى تمكنت من الحصول على عمل قريب من منزلها، وكان صاحب العمل يراعي ظروفها، فيمنحها الوقت الكافي لتوصيل ابنها إلى المدرسة والعودة لاستكمال عملها، ثم الذهاب لإحضاره وتجهيز طعامه ومتابعة شؤونه.
وأوضح أن الأم استمرت في هذا النمط من الحياة حتى التحق ابنها بالجيش لأداء الخدمة العسكرية بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكانت ترسل له رسائل يومية مليئة بالأمل والدعم النفسي، كان لكل رسالة منها أثر بالغ في رفع معنوياته.
وبيّن أن الأم أُصيبت لاحقاً بمرض خطير، لكنها لم تنشغل بآلامها بقدر ما انشغلت بابنها، فاتّفقت مع إحدى صديقاتها على تسليمها 140 رسالة كتبتها مسبقاً، محددة بتاريخ إرسال كل رسالة، ليتم إرسالها يومياً إلى ابنها حتى بعد وفاتها، ليبقى شعوره بالدعم مستمراً في غربته.
وتابع أن الابن ظل يتلقى الرسائل يومياً دون أن يعلم بوفاة والدته، واستمر هذا الحال لمدة 140 يوماً، حتى جاء اليوم الذي استلم فيه الرسالة الأخيرة، حيث أُصيب بطلق ناري ونال وسام الحرب، ثم عاد إلى منزله متشوقاً للقاء أمه، ليكتشف أنها توفيت منذ فترة طويلة، وأنها تركت له هذه الرسائل لترافقه نفسياً في أصعب أيام حياته.
واختتم نور أسامة حديثه بالتأكيد على أن الأم تمثل الجيش الحقيقي في حياة أبنائها، وهي المدرسة الأولى التي نتعلم منها معاني الصبر والقوة والحب غير المشروط، مشدداً على أن ما يغرس في نفس الطفل داخل أحضان أمه يظل راسخاً مدى الحياة، وأن الأم هي أعظم هبة يمكن أن ينالها الإنسان.

