عاشت مصر قبل 30 يونيو 2013 عامًا شديد الاضطراب خلال حكم جماعة الإخوان المسلمين، وهي فترة قصيرة لم تتجاوز سنة واحدة، وسط انقسام سياسي حاد، احتجاجات متصاعدة، أزمة ثقة بين مؤسسات الدولة والرئاسة، نقص في الوقود، انقطاعات كهرباء، وتراجع واضح في السياحة والاستثمار. لذلك لم تكن تلك السنة كافية عمليًا لتحقيق إنجاز اقتصادي حقيقي أو بناء نموذج حكم مستقر، خاصة أن الدولة كانت تتحرك وسط اضطراب سياسي مفتوح منذ ثورة يناير 2011.
الاقتصاد قبل 30 يونيو 2013
ورثت حكومة الرئيس محمد مرسي اقتصادًا يعاني من آثار ثورة يناير 2011، حيث شهدت البلاد:
- تراجعًا حادًا في السياحة.
- انخفاضًا كبيرًا في الاستثمارات الأجنبية.
- تراجع الاحتياطي النقدي.
- ارتفاع معدلات البطالة.
- اضطرابات سياسية متواصلة أثرت على النشاط الاقتصادي.
ولم تستمر فترة حكم الإخوان سوى عام واحد تقريبًا، وهي فترة شهدت أزمات سياسية متلاحقة واعتصامات واحتجاجات، ما حدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ برنامج اقتصادي طويل الأجل أو جذب استثمارات كبيرة.
وكان سعر صرف الدولار في يونيو 2013 يدور حول 7.03 إلى 7.15 جنيه وفق بيانات البنك المركزي المصري.
لكن بعد 30 يونيو، ومع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، رُفع شعار الاستقرار والتنمية وإنقاذ الاقتصاد. وبعد مرور 13 عامًا، تبدو الحصيلة الاقتصادية شديدة القسوة على المواطن المصري: انهيار كبير في قيمة الجنيه، ارتفاع تاريخي في الأسعار، تضخم قياسي، زيادة ضخمة في الديون، اتساع أعباء المعيشة، وتراجع قدرة الأسر على شراء السلع الأساسية.
أبرز مؤشر على تدهور الوضع هو سعر الدولار. ففي يونيو 2013 كان الدولار يدور حول 7 جنيهات، بينما وصل في 2026 إلى نحو 49 جنيهًا. هذا التراجع الحاد في قيمة الجنيه لم يكن رقمًا ماليًا مجردًا، بل تحول إلى أزمة يومية في حياة المصريين، لأن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في الغذاء والوقود والدواء ومستلزمات الإنتاج.
وخلال سنوات حكم السيسي، شهدت مصر أكثر من موجة تعويم وخفض لقيمة العملة، بداية من 2016، ثم أزمات متكررة بعد 2022، وصولًا إلى التعويم الكبير في مارس 2024. ومع كل خفض جديد للجنيه، كانت الأسعار تقفز، بينما ظلت الأجور عاجزة عن اللحاق بموجات الغلاء.
التضخم كان واحدًا من أوضح مظاهر الفشل الاقتصادي. فقد وصلت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغ التضخم الحضري ذروة تاريخية عند 38% في سبتمبر 2023. ورغم تراجع المعدل لاحقًا، فإن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها السابقة، بل بقيت مرتفعة، ما يعني أن المواطن لم يشعر بانفراجة حقيقية، لأن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني فقط أن وتيرة الزيادة أصبحت أبطأ.
كما شهدت مصر توسعًا ضخمًا في الاقتراض الخارجي. فالدين الخارجي الذي كان في حدود عشرات المليارات قبل 2013، تجاوز 160 مليار دولار في السنوات الأخيرة. هذا التوسع في الديون خلق عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، وزاد من الضغط على موارد الدولة الدولارية، وجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي أزمة خارجية.
وتزامن ذلك مع توسع الدولة في مشروعات قومية ضخمة، بعضها في البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة والعاصمة الإدارية. ورغم أن هذه المشروعات قدمتها الحكومة باعتبارها إنجازات، فإن منتقدين يرون أنها استنزفت موارد ضخمة ولم تُترجم إلى تحسن مباشر في مستوى معيشة المواطنين، ولم تحل أزمات الصناعة أو التصدير أو نقص العملة الأجنبية.
النتيجة أن المواطن دفع الفاتورة من دخله وقوته اليومي. أسعار الغذاء ارتفعت، الوقود زاد، الكهرباء ارتفعت، المواصلات أصبحت أكثر تكلفة، والخدمات الأساسية لم تعد في متناول قطاعات واسعة كما كانت. حتى الخبز المدعم، الذي ظل لعقود رمزًا للدعم الاجتماعي، ارتفع سعره في 2024 من 5 قروش إلى 20 قرشًا، في خطوة عكست عمق الأزمة المالية التي تواجهها الدولة.
ولم تتوقف الأزمات عند الأسعار. فقد عادت انقطاعات الكهرباء في 2023 و2024 لتصبح رمزًا جديدًا لفشل إدارة الموارد، بعدما كانت السلطة تروج لسنوات لفائض كبير في إنتاج الكهرباء. عودة تخفيف الأحمال كشفت أن المشكلة لم تكن فقط في بناء محطات أو مشروعات ضخمة، بل في القدرة على توفير الوقود والعملة الصعبة والتخطيط الاقتصادي المستدام.
كما تعرضت مصادر العملة الأجنبية لضربات متكررة. قناة السويس تأثرت بشدة بسبب توترات البحر الأحمر، وتحويلات المصريين بالخارج تراجعت في فترات الأزمة بسبب وجود سوق موازية للدولار، والاستثمار الأجنبي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على صفقات استثنائية لا تعني بالضرورة بناء اقتصاد إنتاجي قوي ومستدام.
من أخطر نتائج هذه المرحلة أن الطبقة المتوسطة تعرضت لضربة واسعة. أسر كثيرة كانت قادرة على الادخار أو التعليم الخاص أو العلاج الأفضل أصبحت بالكاد تغطي احتياجاتها الأساسية. ومع ارتفاع أسعار السكن والغذاء والدواء والتعليم، اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الإنجازات وبين الواقع اليومي في الأسواق.
المفارقة أن النظام الذي جاء رافعًا شعار إنقاذ الدولة من الفوضى انتهى إلى وضع اقتصادي يصفه كثيرون بأنه من الأصعب في تاريخ مصر الحديث. فالاستقرار السياسي لم يتحول إلى استقرار اقتصادي، والمشروعات الكبرى لم تمنع انهيار العملة، والاقتراض لم يصنع اقتصادًا قويًا، والإصلاحات لم تحمِ المواطن من الغلاء.
صندوق النقد قال في 2025 إن تقدم الإصلاحات الهيكلية في مصر كان “مختلطًا”، وأشار إلى استمرار هيمنة الشركات المملوكة للدولة والجيش على الاقتصاد كعقبة أمام القطاع الخاص.
كما أكد صندوق النقد الدولي إن تقليل وجود الدولة، بما في ذلك الكيانات العسكرية، ضروري لخلق منافسة عادلة وجعل القطاع الخاص محركًا للنمو.
وقال الخبير الاقتصادي إسحاق ديوان، أستاذ الاقتصاد في مدرسة باريس للاقتصاد، إن أصل كثير من القروض أصبح مستحقًا، بينما الأسواق لا ترغب في إقراض مصر بشروط معقولة.
وبعد 13 عامًا من 30 يونيو، تبدو الحصيلة الاقتصادية للنظام الحالي شديدة السلبية: الجنيه فقد معظم قيمته، الأسعار انفجرت، الدين تضخم، الدعم تراجع، الأجور تآكلت، والطبقة المتوسطة انكمشت. أما المواطن، الذي وُعد بالاستقرار والرخاء، فوجد نفسه أمام واقع أكثر صعوبة: دخل ثابت، أسعار متحركة، عملة ضعيفة، ومستقبل اقتصادي غامض.

