تتواصل حالة الجدل حول مشروع تطوير «ترام الرمل» في الإسكندرية، بعد نشر دراسة نقدية موسعة أعدّتها الباحثة هبة عبد الله، استندت فيها إلى وثائق وتقارير منشورة على موقع البنك الأوروبي للاستثمار، الممول للمشروع، كاشفة عن عدد كبير من الملاحظات الفنية والتنفيذية التي تثير تساؤلات حول جاهزية المشروع.
وأوضحت الدراسة أنها اعتمدت على مراجعة ملفات رسمية منشورة عبر موقع البنك الأوروبي، من بينها وثائق خاصة بتقييم الأثر البيئي والاجتماعي وخطط إعادة التوطين، والتي تشير إلى أن المشروع ما يزال في مرحلة الدراسات، والتي يُفترض أن تستغرق ما لا يقل عن 12 شهرًا، في حين لم تظهر مؤشرات واضحة على بدء هذه الدراسات فعليًا حتى الآن.
وتطرح الدراسة تساؤلًا رئيسيًا حول جدوى البدء في إزالة وتخريد الترام الحالي، رغم عدم الانتهاء من الدراسات التفصيلية، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان وسيلة نقل تعمل بكفاءة دون وجود بديل جاهز.
وتتضمن الملاحظات الفنية التي رصدتها الدراسة تغييرات جوهرية في طبيعة التشغيل، حيث من المخطط أن تصل سرعة الترام الجديد إلى نحو 68 كيلومترًا في الساعة، مقارنة بسرعة الترام الحالي التي تتراوح بين 10 و12 كيلومترًا في الساعة، ما يستلزم زيادة المسافات بين المحطات إلى نحو 500 متر، وهو ما يعني إلغاء عدد كبير من المحطات الحيوية مثل «القائد إبراهيم»، و«كامب شيزار»، و«سبورتنج»، و«سيدي جابر»، و«بولكلي»، و«السرايا»، و«جانكليس»، و«ثروت»، و«السيوف»، وغيرها.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المحطات تخدم مناطق لا تتوافر بها وسائل نقل بديلة، ما قد يزيد من الأعباء على المواطنين ويؤدي إلى تراجع عدد مستخدمي الترام بدلًا من زيادته.
كما تطرقت الدراسة إلى تصميم عربات الترام الجديدة، حيث يبلغ طول الوحدة الواحدة 68 مترًا، وتتكون من عربتين بطول 34 مترًا لكل عربة، مع تساؤلات حول ما إذا كانت ستراعي الفصل بين عربات السيدات والرجال كما هو معمول به حاليًا، وهو عنصر اعتبرته الدراسة مهمًا للحفاظ على شريحة كبيرة من المستخدمين.
وفيما يتعلق بزمن الرحلة، أوضحت الدراسة أن الأرقام المعلنة غير دقيقة، إذ تشير الحسابات إلى أن الرحلة قد تستغرق نحو 61 دقيقة في ظل التوقف في المحطات، مقارنة بما يتم الترويج له من زمن أقل بكثير، ما يثير تساؤلات حول واقعية الجدول الزمني للتشغيل.
كما أثارت الدراسة مخاوف تتعلق بتأثير تنفيذ المشروع على الحركة المرورية والمشاة، خاصة مع ما ورد في تقارير إعادة التوطين بشأن إقامة حواجز معدنية تفصل مسار الترام عن المناطق المحيطة، وهو ما قد يؤثر على حركة المواطنين، خصوصًا في مناطق حيوية مثل الشاطبي والأزاريطة وسيدي جابر التي تضم جامعات ومستشفيات ومرافق خدمية.
وتطرقت الدراسة أيضًا إلى ملف التعويضات، مشيرة إلى أن تقديراتها تعود إلى عام 2023، مع تساؤلات حول ما إذا تم تحديثها بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الحالية في 2026، خاصة مع بدء التنفيذ المتوقع.
كما أبدت الدراسة قلقًا بشأن أوضاع العاملين في هيئة النقل، حيث تشير التقارير إلى عدم تضررهم، بينما لا توجد معلومات واضحة حول مستقبلهم الوظيفي أو آليات دمجهم في المنظومة الجديدة.
وفي الجانب المالي، تشير الوثائق إلى أن التكلفة التقديرية للمشروع تبلغ نحو 592 مليون يورو، منها 454 مليون يورو تمويل من البنك الأوروبي، مع وجود فجوة تمويلية تُقدر بنحو 138 مليون يورو، دون وضوح كامل لآليات تغطيتها.
وتتضمن الملاحظات كذلك اختلافات في البيانات الفنية، حيث تشير بعض التقارير إلى أن طول الترام الجديد يبلغ 65 مترًا، بينما تذكر مصادر أخرى أنه يصل إلى 68 مترًا، كما تظهر فروق في أبعاد الترام مقارنة بالوضع الحالي، ما يعكس عدم اتساق في المعلومات المنشورة.
كما انتقدت الدراسة تقليص عدد عربات الترام من نحو 71 عربة حاليًا إلى 30 عربة فقط في المشروع الجديد، رغم أن الطاقة الاستيعابية الإجمالية المعلنة تصل إلى نحو 18 ألف راكب، وهو ما اعتبرته الدراسة رقمًا غير دقيق إذا ما قورن بالسعة الفعلية لكل عربة.
وتثير الدراسة أيضًا تساؤلات حول ملاءمة البنية التحتية، حيث يتطلب عرض الترام الجديد ومساراته مساحات أكبر قد لا تتناسب مع طبيعة الشوارع الضيقة في الإسكندرية، مع غياب وضوح حول كيفية التعامل مع هذه التحديات قبل إزالة الترام الحالي.
وفيما يتعلق بالجدول الزمني، تشير بعض البيانات إلى أن المشروع كان من المفترض أن يبدأ في يونيو 2024 وينتهي في ديسمبر 2027، إلا أنه لم يبدأ فعليًا حتى الآن، رغم مرور هذه الفترة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دقة التخطيط.
كما تشير الوثائق إلى أن مدة التنفيذ قد تصل إلى 36 شهرًا، بينما تتحدث تقارير أخرى عن مراحل تشمل 12 شهرًا للدراسات و24 شهرًا للتنفيذ، ما يعكس تضاربًا في التقديرات الزمنية.
وتطرح الدراسة تساؤلات إضافية حول الصيانة المستقبلية، مثل مدى توافر كوادر مؤهلة، وتكاليف التشغيل بعد انتهاء فترات الضمان والصيانة المجانية، والتي تمتد لعدة سنوات.
كما تشير تقارير الأثر البيئي إلى وجود أجزاء من المشروع ستُنفذ في مسارات مرتفعة أو أنفاق (viaducts)، خاصة في مناطق مثل فيكتوريا وسيدي جابر والشاطبي، وهو ما يتطلب بنية هندسية معقدة قد تؤثر على النسيج العمراني للمدينة.
وفي ضوء هذه الملاحظات، خلصت الدراسة إلى أن المشروع، بصورته الحالية، يثير العديد من التساؤلات حول جدواه الفنية والاقتصادية، مؤكدة ضرورة إعادة تقييمه بشكل شامل قبل المضي في تنفيذ أي خطوات تؤثر على مرفق حيوي يخدم آلاف المواطنين يوميًا.

