في تقرير مطوّل نشرته مجلة “1843” التابعة لمجلة الإيكونوميست البريطانية، تحت عنوان لافت “نظام الأهرام الجديد في مصر”، يقدّم الكاتب ويندل ستيفنسون قراءة معمّقة لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، كاشفًا عن تداخل معقّد بين الطموح العمراني والرهانات السياسية، وبين الاقتصاد الرسمي وشبكات النفوذ، في ظل أزمة ديون خانقة تعصف بالبلاد.
من القاهرة القديمة إلى “جمهورية الصحراء”
يبدأ التقرير برحلة رمزية من قلب القاهرة، حيث الشوارع المكتظة والعمارات المتداعية التي تعود إلى عصر الخديوي إسماعيل، مرورًا بالأحياء الفقيرة ومقابر “مدينة الموتى”، وصولًا إلى الصحراء شرقًا، حيث ترتفع الأبراج الزجاجية والطرق الواسعة في العاصمة الجديدة.
هذا المسار، كما يصفه الكاتب، ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو تجسيد لتاريخ مصر الحديث: من مشروع إسماعيل الذي أثقل البلاد بالديون، إلى ثورة 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، ثم اغتيال أنور السادات، وسقوط حسني مبارك في 2011، وانتهاءً بصعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014.
“كل حاكم يبني مدينة”
يستعيد التقرير مقولة شائعة بين المصريين: “كل حاكم يسعى لبناء مدينة”.
من مدينة أخناتون التي اندثرت بعد موته، إلى مشاريع الخديوي إسماعيل التي أفلسَت البلاد، وصولًا إلى مدينة السادات التي لم تحقق أهدافها، يرى التقرير أن العاصمة الجديدة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في هذا النمط التاريخي.
لكن الفارق اليوم أن المشروع الحالي يُنفذ في سياق اقتصادي أكثر هشاشة، وديون أكبر، وضغوط اجتماعية أعمق.
مدينة بحجم دولة
تمتد العاصمة الجديدة على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، أي نحو سبعة أضعاف مساحة باريس، مع خطط لاستيعاب ستة ملايين نسمة.
تضم المدينة:
- مقرات الحكومة والبرلمان
- مجمعًا عسكريًا ضخمًا “الأوكتاغون” يفوق البنتاغون بعشرة أضعاف
- منطقة أعمال بناطحات سحاب
- مدينة أولمبية بملعب يسع 93 ألف متفرج
- مدينة للمعرفة والابتكار
- منطقة ثقافية تضم دار أوبرا ومتحفًا لعواصم مصر
كما تحتضن معالم بارزة مثل برج “آيكونيك” بارتفاع 393 مترًا، ومسجد الفتاح العليم، وكاتدرائية ميلاد المسيح، وحديقة مركزية بطول 35 كيلومترًا تحاكي النيل، إلى جانب منظومة مراقبة تضم 6000 كاميرا تعمل بالذكاء الاصطناعي.
مدينة فاخرة.. شبه خالية
رغم هذه الضخامة، يرسم التقرير صورة مغايرة على الأرض:
طرق سريعة مهجورة، محال مغلقة، حدائق خالية، وأحياء لا يسكنها سوى عدد محدود من السكان.
بحسب التقديرات، لا يتجاوز عدد الأسر المقيمة بضعة آلاف، في مدينة صُممت لملايين، ما يجعلها أقرب – في الوقت الراهن – إلى “مدينة عرض” أكثر منها مجتمعًا حيًا.
تمويل غامض.. وديون متصاعدة
رغم تأكيدات السلطة بأن المشروع لم يُموَّل من أموال الدولة، يشير التقرير إلى أن الواقع مختلف.
فقد ساهمت البنوك الحكومية، والبنك المركزي، ووزارة المالية في تمويل المشروع عبر قروض وضمانات، ما ساهم في تضاعف الدين الخارجي لمصر أربع مرات منذ 2014، مع استنزاف أكثر من 60% من الموازنة في خدمة الدين.
ولا توجد أرقام رسمية دقيقة لتكلفة المشروع، لكن تقديرات إعلامية تشير إلى ما بين 48 و58 مليار دولار للمرحلة الأولى فقط.
الجيش.. المستفيد الأكبر
يكشف التقرير أن المؤسسة العسكرية تلعب الدور المحوري في المشروع، عبر “الشركة الإدارية للعاصمة” التي تمتلك فيها وزارة الدفاع الحصة الأكبر.
كما تتولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة منح العقود والإشراف على التنفيذ، وغالبًا ما تُسند المشاريع لشركات تابعة أو مقربة منها.
وتتقاضى هذه الجهات “رسوم إدارة” تصل إلى 35% من قيمة العقود، ما يضمن تدفقات مالية ضخمة دون تحمّل مخاطر تُذكر.
كما تمر مليارات الدولارات عبر كيانات لا تخضع لرقابة مالية واضحة، ما يثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة.
اقتصاد قائم على العقارات
يشير التقرير إلى أن الاقتصاد المصري أصبح يعتمد بشكل متزايد على قطاع العقارات، الذي يمثل ما بين 20% و30% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن هذا النمو قائم على المضاربة أكثر من الطلب الحقيقي، حيث يلجأ المصريون إلى شراء العقارات كوسيلة لحفظ القيمة في ظل التضخم وانخفاض العملة، وليس للسكن الفعلي.
ويحذر التقرير من أن هذا النموذج قد يؤدي إلى فقاعة عقارية، خاصة مع ضعف القدرة الشرائية، حيث يقل متوسط الأجر عن 200 دولار شهريًا.
شهادات من الداخل
ينقل التقرير آراء متباينة من داخل المشروع:
- رجل الأعمال أحمد صقر يرى في المشروع فرصة استثمارية ضخمة، ويؤمن بما يسميه “ديمقراطية العقارات”، رغم إقامته في الخارج.
- عمال شباب يشيدون بالطرق والنظافة، لكنهم يفضلون البقاء في القاهرة “النابضة بالحياة”، ويصفون العاصمة بأنها “متحف ضخم”.
- موظفون حكوميون يشكون من طول التنقل ونقص الخدمات، رغم إعجابهم بفخامة المباني.
دعم خارجي.. واستقرار هش
يعتمد الاقتصاد المصري بشكل متزايد على الاستثمارات الخليجية، مثل صفقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، وصفقات أخرى مع قطر والسعودية والإمارات.
لكن هذه التدفقات، بحسب التقرير، ليست مستدامة، ولا يمكن تكرارها إلى ما لا نهاية، ما يجعل النمو الاقتصادي هشًا ومعتمدًا على عوامل خارجية.
أبعاد سياسية عميقة
يرى بعض المحللين أن المشروع لا يهدف فقط إلى التنمية الاقتصادية، بل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للسلطة في مصر.
فبناء عاصمة جديدة بعيدًا عن القاهرة قد يهدف إلى إبعاد مؤسسات الحكم عن مراكز الاحتجاج، بعد تجربة 2011، إلى جانب تقديم صورة حديثة للدولة أمام العالم.
بين الحلم والانهيار
يختتم التقرير بتحذير واضح:
نجاح المشروع يعتمد على وجود طلب حقيقي على المساكن والمكاتب. وإذا لم يتحقق ذلك، فقد تنفجر فقاعة عقارية، ويتخلف المطورون عن سداد القروض، ويخسر المشترون استثماراتهم.
وفي ظل ارتباط دعم الجيش للنظام بتدفق الموارد، فإن أي تعثر مالي قد يحمل تداعيات سياسية أوسع.
ويشبّه التقرير الوضع بما يُعرف بـ”مخططات التسويق الهرمي”، التي تستمر طالما يستمر تدفق الأموال، لكنها تنهار عند أول توقف.
اللينك الأصلي للمقال

