بقلم ✍ محرر حريتنا – فلسطين
يشهد ملف عنف المستوطنين في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة تحولًا واضحًا في طبيعة التغطية داخل الإعلام العبري. فلم يعد الموضوع يُقدَّم باعتباره سلسلة من الحوادث المحلية أو الاحتكاكات المتفرقة بين المستوطنين والفلسطينيين، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أوسع بأسئلة تتعلق بقدرة الدولة الإسرائيلية على فرض القانون، وبالعلاقة بين الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام «الشاباك»، وبمستقبل السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بسبب تزامنها مع عوامل سياسية وأمنية متداخلة: استمرار الحرب وتداعياتها الإقليمية، وتصاعد النشاط الاستيطاني، واقتراب الانتخابات الإسرائيلية، والحديث عن مستقبل السلطة الفلسطينية، وازدياد الاهتمام الدولي بالإجراءات الإسرائيلية في الضفة. وفي هذا السياق، تظهر في الإعلام العبري صورة لضفة غربية أصبحت أكثر توترًا، ليس فقط بسبب المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما أيضًا بسبب الخلافات داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها حول كيفية التعامل مع ظاهرة عنف المستوطنين.
وتكشف متابعة التغطية العبرية أن النقاش الحالي يدور حول ثلاثة مستويات مترابطة: اتساع ظاهرة العنف على الأرض، وأزمة إنفاذ القانون والمسؤولية بين المؤسسات الأمنية، ثم التأثير السياسي والاستراتيجي لهذه الظاهرة على مستقبل الضفة وعلاقة إسرائيل بحلفائها.
أولًا: من حوادث متفرقة إلى ظاهرة أمنية متصاعدة
من أبرز ما يلفت في التغطية العبرية الحديثة أن مصطلح «الجريمة القومية» أو «الفاشية القومية» بات حاضرًا بصورة أكثر وضوحًا في النقاش الأمني الإسرائيلي حول الضفة.
وتعرض تقارير إسرائيلية حديثة حوادث متكررة تشمل اعتداءات على فلسطينيين، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وإحراق مركبات ومبانٍ، وإقامة بؤر أو مزارع استيطانية في مناطق تشهد احتكاكًا مباشرًا مع السكان الفلسطينيين. وتظهر في التغطية أيضًا قضية المزارع الاستيطانية بوصفها أداة مؤثرة في الصراع على الأرض، وليس مجرد تجمعات سكنية معزولة.
وفي 10 سبتمبر/أيلول 2026، نشرت «يديعوت أحرونوت» تقريرًا عن خريطة للمزارع في الضفة الغربية، كشفت عنها جهات مرتبطة بالمزارع الاستيطانية. ووفق المعطيات التي أوردها التقرير، فإن هذه المزارع تشرف على أكثر من 1.1 مليون دونم. وفي المقابل، نقل التقرير عن حركة «السلام الآن» وصفها لهذه الخريطة بأنها تعكس مشروعًا للسيطرة والضم. وتكشف هذه المادة عن أحد التحولات المهمة في الخطاب الإعلامي: لم تعد المزارع تُناقش فقط باعتبارها قضية إسكان أو توسع عمراني، بل باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على الأرض والحدود والسيطرة الميدانية.
ويزداد هذا النقاش حساسية عندما ترتبط المزارع باحتكاكات مباشرة مع الفلسطينيين. ففي تقرير آخر نشرته «يديعوت أحرونوت» في 11 سبتمبر، جرى تناول الواقع المحيط بمنطقة أفرات، مع الإشارة إلى التوتر بين المستوطنين والفلسطينيين، وإلى حوادث إطلاق نار وصراع على الأراضي. والتقرير نفسه يعكس محاولة لفهم الظاهرة من زاوية جغرافية وأيديولوجية، وليس فقط من زاوية الحوادث الأمنية اليومية.
وفي نهاية أغسطس/آب، حظيت أحداث قُصرة وجالود باهتمام كبير في الإعلام العبري بعد مواجهات شارك فيها مستوطنون وفلسطينيون، وسط انتشار واسع للتسجيلات المصورة.
ووفق «إسرائيل هيوم»، فقد وقعت مواجهات بين فلسطينيين ومجموعة من «شباب التلال»، ثم وصلت مجموعات أخرى من المستوطنين إلى أحد المنازل الفلسطينية، ووقعت مواجهات إضافية. والأهم في التقرير لم يكن فقط وصف الأحداث، بل السؤال الذي طرحته المؤسسة الأمنية حول سبب عدم توقيف مشتبه بهم رغم وجود تسجيلات وأدلة ميدانية.
وهنا تظهر إحدى القضايا المركزية في التغطية الإسرائيلية الحالية: هل المشكلة هي وقوع العنف فقط، أم ضعف القدرة على ملاحقة مرتكبيه؟
وأشار تقرير «إسرائيل هيوم» إلى وجود خلاف بين الشرطة والجيش بشأن المسؤولية الميدانية. فالشرطة ترى أن الجيش، باعتباره القوة التي تصل أولًا إلى مناطق الاحتكاك، ينبغي أن يعمل على توقيف المشتبه بهم إلى حين وصول الشرطة للتحقيق. بينما تشير الرواية التي نقلها التقرير إلى أن القوات العسكرية تركز في كثير من الأحيان على تفريق المشاركين وإنهاء المواجهة، الأمر الذي يسمح لبعض المشتبه بهم بمغادرة المكان قبل بدء التحقيق.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية أكبر لأن الضفة الغربية تخضع لترتيبات أمنية وقانونية معقدة، حيث تتداخل صلاحيات الجيش والشرطة وحرس الحدود والشاباك. وكلما كان الحدث سريعًا وشارك فيه عدد كبير من الأشخاص الملثمين، أصبح تحديد المسؤوليات وإنتاج ملف أدلة قابل للاستخدام أمام المحاكم أكثر صعوبة.
وفي حادث آخر، نشر «إسرائيل هيوم» في 12 سبتمبر تقريرًا عن إطلاق جندي إسرائيلي النار على فلسطيني بالقرب من قرية فقوعة. وأشار التقرير إلى أن الجيش بدأ فحصًا للحادث، وأن التقييم الأولي تحدث عن شعور القوة بأنها مهددة أثناء تأمين راعٍ إسرائيلي في منطقة شهدت احتكاكًا.
وتوضح مثل هذه الحوادث أن النقاش حول العنف في الضفة لا يدور فقط حول المستوطنين، وإنما حول البيئة الأمنية بأكملها: المستوطنون، والفلسطينيون، والجيش، والشرطة، والمجموعات المسلحة، إضافة إلى احتمالات تحول الاحتكاكات المحلية إلى أحداث أوسع.
ثانيًا: الجيش والشرطة والشاباك أمام أزمة ثقة ومسؤوليات متداخلة
أحد أكثر الجوانب أهمية في التغطية العبرية الحالية هو انتقال النقاش من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «من المسؤول عن منع تكرار ما حدث؟». وهذا السؤال يضع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية في مواجهة بعضها بعضًا.
في 10 سبتمبر، نشرت «يديعوت أحرونوت» تقريرًا عن تصريحات قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، بشأن التوتر بين أجهزة الأمن. ووفق التقرير، فإن ارتفاع «الجريمة القومية» في الضفة أدى إلى توترات بين جهات أمنية مختلفة، خصوصًا فيما يتعلق بالحوكمة وفرض القانون. كما شدد قائد المنطقة الوسطى على أهمية التعاون بين الأجهزة في مواجهة ما وصفه التقرير بـ«الإرهاب من جميع الأنواع»، وحذر من محاولات الإضرار بهذا التعاون.
هذه التصريحات تعكس مشكلة مؤسساتية أعمق. فالتعامل مع عنف المستوطنين ليس ملفًا أمنيًا تقليديًا يمكن حسمه بواسطة عملية عسكرية واحدة؛ إذ يتطلب جمع المعلومات، وتحديد هوية المشتبه بهم، والاعتقال، والتحقيق، وتقديم الأدلة، ثم الوصول إلى الإدانة القضائية. ولذلك، فإن أي خلل في مرحلة من هذه المراحل يمكن أن يؤدي إلى شعور بأن الردع غير كافٍ.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في أحداث قُصرة وجالود. فقد أشار «إسرائيل هيوم» إلى أن الشرطة والشاباك باشرا تحقيقًا مشتركًا، لكن بعد مرور نحو يوم على الأحداث لم يكن قد تم توقيف أي شخص. ووفق التقرير، كانت الشرطة ترى أن عدم وجود مشتبه بهم محتجزين منذ البداية يخلق مشكلة كبيرة أمام المحققين، لأن المشتبه بهم يمكنهم التخلص من الملابس أو الأقنعة أو الأدوات التي استُخدمت في الأحداث، أو التنسيق في رواياتهم.
في المقابل، تظهر في الخطاب الأمني الإسرائيلي حجة أخرى تقول إن الجيش يعمل أولًا على إعادة الهدوء ومنع تصعيد المواجهة، خصوصًا عندما تكون المنطقة فلسطينية وتضم أعدادًا كبيرة من المشاركين. وهكذا تصبح القوات أمام مهمتين متعارضتين جزئيًا: تفريق الحشود ومنع التصعيد من جهة، والحفاظ على الأدلة وتوقيف المشتبه بهم من جهة أخرى.
هذه الإشكالية ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا في التغطية الحالية.
ومن اللافت أن «يديعوت أحرونوت» نقلت في سبتمبر عن قائد المنطقة الوسطى انتقاده لما وصفه بالتسريبات أو التصريحات التي تستهدف الجيش والشاباك. ووفق التقرير، اعتبر أن مثل هذه التصريحات تضعف فاعلية الأجهزة على الأرض.
وفي الوقت نفسه، لا يظهر داخل إسرائيل موقف موحد بشأن المؤسسة التي يجب أن تتولى الملف. ففي تقرير «إسرائيل هيوم» حول أحداث قُصرة، نُقلت مواقف تدعو إلى نقل مسؤولية التعامل مع «شباب التلال» بدرجة أكبر إلى الشرطة، باعتبار أن القضية في جوهرها قضية إنفاذ قانون وليست عملًا عسكريًا.
وهنا يكمن أحد أهم أوجه الأزمة: هل المستوطن العنيف يُعامل بوصفه مواطنًا مخالفًا للقانون، أم عنصرًا في بيئة أمنية تتطلب إجراءات عسكرية؟
طريقة الإجابة عن هذا السؤال لها انعكاسات عملية كبيرة. فإذا جرى التعامل مع الحوادث باعتبارها «إرهابًا» أو تهديدًا أمنيًا، فإن الجيش والشاباك يحتلان موقعًا أكثر مركزية. أما إذا اعتُبرت جرائم مدنية وقومية، فإن الشرطة والنيابة والقضاء يصبحون أصحاب الدور الرئيسي.
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن هذا الخلاف ليس نظريًا فقط، فقد أصبح مرتبطًا بالتوزيع الفعلي للقوة والموارد والصلاحيات في الضفة، وهي منطقة تشهد في الوقت نفسه نشاطًا أمنيًا إسرائيليًا ضد خلايا فلسطينية، وانتشارًا واسعًا للمستوطنات والبؤر، واحتكاكات متزايدة حول الأرض والمراعي والطرق.
وفي 13 سبتمبر، نشرت «واللا» تقريرًا عن استعداد الجيش لما وصفته بـ«علاج جذري» للتهديدات في الضفة. وأشار التقرير إلى أن مستوى «الإرهاب» الفلسطيني في الضفة منخفض جدًا وفق التقييمات الأمنية التي نقلها، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن مجموعة من العمليات والاتجاهات التي قد تغير الصورة، ومن بينها تصاعد الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين.
وهذا يوضح أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى الضفة باعتبارها منظومة مترابطة: أي تصعيد فلسطيني يمكن أن يؤدي إلى تشديد الإجراءات العسكرية، وأي تصعيد من المستوطنين يمكن أن يؤدي بدوره إلى احتكاك أوسع مع الفلسطينيين، ثم إلى تدخل الجيش، ثم إلى احتمال وقوع إصابات أو اعتقالات أو ردود فعل جديدة.
بمعنى آخر، فإن عنف المستوطنين لا يُنظر إليه في بعض التقارير الأمنية باعتباره ملفًا منفصلًا عن الأمن الإسرائيلي، بل باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تزيد من هشاشة الوضع في الضفة.
ثالثًا: عنف المستوطنين بين أزمة القانون ومستقبل الضفة سياسيًا
الجانب الثالث في التغطية العبرية يتعلق بالتداعيات السياسية والاستراتيجية. فمع تصاعد الانتقادات داخل إسرائيل وخارجها، أصبح عنف المستوطنين مرتبطًا بصورة إسرائيل الدولية، وبالاستيطان، وبمشروع ضم أجزاء من الضفة، وبالسؤال حول مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية.
في 6 سبتمبر، نشرت «واللا» تقريرًا عن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية مطالبة الجيش والشرطة ووزير الدفاع بتفسير سبب عدم العمل على إعادة سكان قرية جالود إلى منازلهم بعد مغادرتهم المنطقة على خلفية ما وصفه التقرير بعنف المستوطنين وسيطرتهم على المكان. كما طلبت المحكمة تفسيرًا بشأن إزالة الحواجز والعوائق المؤدية إلى المنازل.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن القضية انتقلت من مستوى النقاش الإعلامي والسياسي إلى مستوى قضائي. فعندما تطلب المحكمة من الجيش والشرطة تفسير عدم إعادة سكان فلسطينيين إلى منازلهم، فإن السؤال لم يعد فقط: «هل وقعت اعتداءات؟»، بل أصبح: ما هي مسؤولية الدولة تجاه سكان منطقة تقع تحت سيطرتها الأمنية؟
وفي السياق نفسه، نقل التقرير عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إدانته لأحداث قُصرة وجالود، ووصفه المشاركين فيها بأنهم «حفنة من المشاغبين» الذين يخرقون القانون ويضرون أيضًا بالجمهور الاستيطاني الذي يلتزم بالقانون وبمكانة إسرائيل الدولية.
هذا النوع من الخطاب يكشف عن معادلة سياسية دقيقة. فمن جهة، تحاول الحكومة الإسرائيلية التأكيد أن أعمال العنف لا تمثل جمهور المستوطنين بأكمله. ومن جهة أخرى، فإن استمرار الأحداث يجعل من الصعب إبقاء القضية في إطار «حوادث فردية»، خصوصًا عندما تتكرر التقارير حول اعتداءات على الفلسطينيين أو ممتلكاتهم.
وقد أصبح البعد الدولي أكثر حضورًا في الإعلام العبري أيضًا. ففي 10 سبتمبر، نشرت «يديعوت أحرونوت» تقريرًا عن دعوات من دبلوماسيين إسرائيليين سابقين للحكومة إلى اتخاذ إجراءات أقوى ضد عنف المستوطنين، إلى جانب التخلي عن أو تجميد بعض الخطط الاستيطانية، وذلك في سياق محاولة منع مزيد من التدهور في العلاقات مع الدول الأوروبية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تصاعد النقاش الإسرائيلي حول مشروع E1 والاستيطان، ومع انتقادات أوروبية للسياسات الإسرائيلية في الضفة. ولذلك، فإن قضية عنف المستوطنين لم تعد منفصلة عن مشروع الاستيطان نفسه في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ومن زاوية أخرى، تُظهر تغطية «واللا» في 16 سبتمبر أن الجيش يواجه مشكلة تتعلق بتوزيع القوات في الضفة. وتحدث التقرير عن الضغط المتزايد على القوات بسبب تعدد الجبهات، وعن ازدياد عدد المستوطنات والمزارع الفردية التي تحتاج إلى حماية، وهو ما يضيف عبئًا على القوات الموجودة أصلًا في المنطقة.
وهنا يظهر تناقض مهم: كلما توسعت رقعة الاستيطان والمزارع والنقاط السكنية، زادت الحاجة إلى توفير حماية عسكرية لها، وفي الوقت نفسه يزداد عدد نقاط الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين. ومع زيادة الاحتكاك، تحتاج القوات إلى الانتشار في مناطق أكثر، ما يزيد العبء على الجيش ويصعّب عملية فرض القانون بصورة متساوية على جميع الأطراف.
كما أن التغطية العبرية تربط الوضع في الضفة بالتطورات السياسية الفلسطينية. فقد تحدثت «واللا» عن مخاوف أمنية إسرائيلية من سيناريو «انقلاب البنادق»، أي احتمال تحول الصراع الداخلي على خلافة محمود عباس إلى مواجهة تشمل أجهزة الأمن الفلسطينية وإسرائيل.
وبذلك يصبح عنف المستوطنين واحدًا من عناصر منظومة أوسع: السلطة الفلسطينية تمر بمرحلة سياسية حساسة، والجيش الإسرائيلي يستعد لسيناريوهات أمنية مختلفة، والمستوطنات تتوسع، والمجتمع الدولي يزيد من الضغط، بينما تستمر الاحتكاكات اليومية بين الفلسطينيين والمستوطنين.
ومن اللافت أن الإعلام العبري نفسه يعكس اختلافًا في تفسير جذور الظاهرة. فهناك خطاب يرى أن عنف المستوطنين يمثل مشكلة أمنية ينبغي مواجهتها لأنها تضعف إسرائيل وتضر بالاستقرار. وهناك خطاب آخر يركز بصورة أكبر على الهجمات الفلسطينية، وعلى ضرورة تعزيز الحماية للمستوطنين والجيش في المناطق التي تشهد احتكاكًا. وتظهر هذه الفوارق بوضوح عند مقارنة التغطيات المختلفة بين «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» و«إسرائيل هيوم» و«واللا».
ولا يعني ذلك أن الإعلام العبري يتبنى رواية واحدة. على العكس، فإن الملف أصبح ساحة صراع داخلي على تعريف المشكلة نفسها: هل القضية هي «عنف مستوطنين»؟ أم «احتكاك قومي متبادل»؟ أم «مشكلة إنفاذ قانون»؟ أم جزء من مشروع أوسع للسيطرة على الضفة؟ اختلاف الإجابات يؤدي إلى اختلاف كبير في تقييم الحلول المقترحة.
خاتمة
تكشف أحدث التغطيات في الإعلام العبري أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية لم يعد قضية هامشية داخل النقاش الإسرائيلي، بل تحول إلى ملف يقع عند تقاطع الأمن والقانون والاستيطان والسياسة الخارجية. وتظهر التقارير الإسرائيلية أن المشكلة تتجاوز وقوع الاعتداءات نفسها إلى صعوبة التعامل معها مؤسساتيًا، نتيجة تداخل صلاحيات الجيش والشرطة والشاباك، ووجود خلافات حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن إنفاذ القانون.
وتكتسب أحداث قُصرة وجالود أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها أظهرت الفجوة بين سرعة الوصول إلى موقع الحادث وبين القدرة على توقيف المشتبه بهم وملاحقتهم قضائيًا. كما أن تدخل المحكمة العليا في قضية سكان جالود أضاف بُعدًا قانونيًا إلى النقاش حول مسؤولية الدولة تجاه الفلسطينيين في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، تكشف التغطية العبرية أن ظاهرة العنف مرتبطة بصورة وثيقة بمستقبل الاستيطان في الضفة. فالمزارع والبؤر الاستيطانية لا تظهر في التقارير باعتبارها مجرد تجمعات سكانية، بل باعتبارها نقاطًا متقدمة في الصراع على الأرض، وهو ما يجعل الاحتكاك مع الفلسطينيين أكثر احتمالًا ويزيد الحاجة إلى الانتشار العسكري.
أما سياسيًا، فإن استمرار الظاهرة يضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة معقدة: فهي مطالبة من أطراف داخلية وخارجية بإظهار قدرة أكبر على فرض القانون على المستوطنين، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا أمنية متزايدة في الضفة، وتتعامل مع مستقبل السلطة الفلسطينية والاستيطان باعتبارهما ملفين استراتيجيين.
واللافت في الإعلام العبري خلال سبتمبر/أيلول 2026 هو أن السؤال لم يعد فقط: «هل يتصاعد عنف المستوطنين؟»، بل أصبح: «ماذا تفعل الدولة الإسرائيلية عندما يتقاطع عنف المستوطنين مع مشروع الاستيطان، وأمن الجيش، وإنفاذ القانون، ومستقبل الضفة الغربية؟».
هذا التحول في طبيعة السؤال يعكس أهمية الملف في المرحلة الحالية. فكل حادث جديد لا يُقرأ بمعزل عن الحوادث السابقة، بل ضمن سياق أوسع يتعلق بالسيطرة على الأرض، والعلاقة بين الفلسطينيين والمستوطنين، ودور مؤسسات الدولة الإسرائيلية، ومستقبل الضفة الغربية في ظل التغيرات السياسية والأمنية المتسارعة.

