بعد مرور 18 يومًا على اندلاع ما بات يُعرف بـ«ثورة الفلامنجو»، لم تعد الاحتجاجات في ألبانيا مجرد حركة بيئية للدفاع عن طيور الفلامنجو أو رفض مشروع سياحي على جزيرة سازان، بل تحولت إلى أزمة سياسية وطنية تهدد حكومة رئيس الوزراء الألباني إيدي راما وتضع مشروع المنتجع الفاخر المدعوم من جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب تحت ضغوط داخلية ودولية متزايدة.
كيف وصلت الاحتجاجات إلى هذه المرحلة؟
بدأت الاحتجاجات رسميًا في 23 مايو 2026 في منطقة زفرنيتش القريبة من بحيرة نارتا اعتراضًا على الأعمال التمهيدية لمشروع سياحي ضخم يشمل جزيرة سازان ومناطق ساحلية مجاورة. لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد وقوع اشتباكات بين متظاهرين وحراس أمن خاصين نهاية مايو، لتنتشر المظاهرات سريعًا من المناطق الساحلية إلى العاصمة تيرانا ثم إلى مدن ألبانية أخرى والجاليات الألبانية في الخارج.

ماذا حدث خلال الأيام الـ18 الماضية؟
شهدت الفترة الأخيرة أكبر حشد جماهيري تشهده الحركة منذ انطلاقها، حيث خرج آلاف المتظاهرين في تيرانا تحت شعار:
«ألبانيا ليست للبيع»
وأصبحت مجسمات الفلامنجو الوردية رمزًا للاحتجاجات في مواجهة المشروع الذي يعتبره المحتجون مثالًا على بيع الموارد الطبيعية لصالح المستثمرين الأجانب.
كما توسعت المطالب بشكل واضح من:
- وقف مشروع جزيرة سازان.
- حماية محمية فيجوسا – نارتا.
- إجراء تحقيقات في منح الأراضي والتراخيص.
إلى مطالب سياسية مباشرة تشمل:
- استقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
- مكافحة الفساد.
- زيادة الشفافية.
- إصلاح النظام السياسي والاقتصادي.
ما الذي يقلق المحتجين؟
يركز المحتجون على عدة نقاط رئيسية:
أولاً: البيئة
تضم المنطقة المتأثرة بالمشروع:
- مستعمرات ضخمة من طيور الفلامنجو.
- السلاحف البحرية المهددة.
- فقمة الراهب المتوسطية النادرة.
- أكثر من 200 نوع من الطيور المهاجرة.
ويخشى علماء البيئة من أن يؤدي المشروع إلى تدمير أحد آخر النظم البيئية الساحلية السليمة في البحر الأدرياتيكي.
ثانياً: الشفافية
يؤكد المحتجون أن المشروع حصل على امتيازات استثنائية قبل استكمال بعض الدراسات البيئية والإجراءات التنظيمية، وهو ما أثار شكوكًا واسعة بشأن طريقة إدارة الملف.
ثالثاً: النفوذ الأجنبي
يرى قطاع من المتظاهرين أن المشروع أصبح رمزًا لتزايد نفوذ المستثمرين الدوليين في ألبانيا، خصوصًا مع ارتباطه بأسماء أمريكية بارزة وشركات استثمارية عالمية.
موقف الحكومة
رغم تصاعد الضغوط، رفض رئيس الوزراء إيدي راما التراجع عن المشروع وأكد أن الحكومة ستواصل المضي فيه، معتبرًا أن المشروع يمثل فرصة اقتصادية مهمة لتطوير السياحة الألبانية وجذب استثمارات بمليارات اليورو.
كما شدد على أن المشروع سيخضع لتقييمات بيئية وأن الحكومة ملتزمة بحماية البيئة، مع اعترافه بوجود بعض الأخطاء الإدارية في المراحل الأولى مثل إقامة أسوار أثارت غضب السكان المحليين.
هل بدأت التحقيقات؟
أصبحت القضية الآن محل اهتمام هيئات رقابية ومدعين عامين مختصين بقضايا الفساد في ألبانيا، كما ازدادت الضغوط الأوروبية على الحكومة الألبانية لضمان الالتزام الكامل بالقوانين البيئية، خاصة مع استمرار مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
لماذا تُعد هذه الاحتجاجات مختلفة؟
يرى مراقبون أن «ثورة الفلامنجو» هي أول حركة شعبية واسعة منذ سنوات تنطلق خارج الأحزاب التقليدية، ويقودها بشكل كبير شباب وناشطون بيئيون ومنظمات مجتمع مدني.
كما أنها تحولت من قضية بيئية محلية إلى نقاش وطني حول:
- الفساد.
- إدارة الموارد الطبيعية.
- مستقبل التنمية في ألبانيا.
- العلاقة بين السلطة والمواطنين.
ولهذا السبب يعتبرها كثير من المحللين أخطر تحدٍ سياسي يواجه حكومة إيدي راما خلال عام 2026.
بعد مرور 18 يومًا على اندلاع الاحتجاجات، لا توجد مؤشرات على تراجع الحركة. بل على العكس، تتوسع المشاركة الشعبية وتتزايد التغطية الدولية للقضية، بينما يتمسك المحتجون بمطالبهم ويصرّ رئيس الوزراء على استمرار المشروع.
وبينما تراهن الحكومة على أن المشروع سيجلب استثمارات وسياحة فاخرة، يراهن المحتجون على أن استمرار الضغط الشعبي قد يوقف المشروع أو يفرض مراجعة شاملة له.
حتى الآن، لا تزال «ثورة الفلامنجو» تتصدر المشهد السياسي في ألبانيا، وأصبحت جزيرة سازان الصغيرة رمزًا لصراع أكبر بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والشفافية السياسية.

