بين الفرصة والواقع… هل الدولة تعمل فعلاً لصالح المواطن البسيط؟
وقّعت مصر والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم لمنح تمويل يصل إلى 4 مليارات يورو لدعم الإصلاحات الاقتصادية، ضمن حزمة دعم أكبر تصل إلى 7.4 مليارات يورو، تتضمن أيضاً منحاً ودعماً للقروض.
كما سبق لمصر التعاقد مع International Monetary Fund (IMF) لبرامج إصلاح متعددة — منها ترتيب برنامج توسّعي بقيمة 8 مليارات دولار في 2024.
لماذا هذا التمويل مهم — ولكن ليس كافياً؟
التمويل يأتي في وقت اقتصادي حرج: ضعف احتياطيات النقد الأجنبي، ارتفاع التضخم، وضرورة تنويع مصادر الطاقة.
التمويل الأوروبي سيمكن مصر من:
-
دعم الاستقرار المالي والاقتصادي.
-
تسريع التحول الأخضر والطاقة المتجددة.
-
تحسين مناخ الأعمال لجذب استثمارات أجنبية.
لكن: هذا الدعم يُشترط عليه تنفيذ إصلاحات حقيقية — لا مجرد ضخ أموال. وفي الواقع، العبرة ليست بوجود التمويل، بل بمدى تأثر حياة المواطن البسيط به.
مقارنة مع تجارب التمويل السابقة: هل استفادت مصر بالفعل؟
-
مصر تلقت منذ 2017 قروضاً من IMF تزيد على 20 مليار دولار.
-
برامج الإصلاح السابقة أفضت إلى تخفيف بعض الأزمات المؤقتة، لكن نتائجها لم تصل بالشكل المطلوب للمواطن العادي: التضخم بقي مرتفعاً، الجنيه تراجع، تكاليف المعيشة ارتفعت.
-
تقرير لـBretton Woods Project يرى أن “الإطار نفسه وسياسات التقشف لم تعالج سياق مصر السياسي أو ضمانات الفقراء” — مما يعني أن التمويل غالباً ذهب لدعم الاستقرار المالي وليس تحسين فعلي للعيش.
-
مثلاً، بعد برنامج IMF الأخير، رفع الوقود بنسبة كبيرة، ما يعني أن التمويل لم يحمِ المواطن من تحمل التكاليف الجديدة.
آراء خبراء اقتصاديين
-
يقول الخبير الاقتصادي عمرو عدلي: “القروض الكبيرة لمصر منذ 2016 كانت مرتبطة بإصلاحات عميقة، لكن التنفيذ كان ضعيفاً، ما جعل التمويل يتحول إلى خدمة دين وليس تنمية حقيقية.”
-
تشير تحليلات “AInvest” إلى أن مصر بحاجة لـ «إصلاح هيكلي أسرع» حتى لا يتحول هذا التمويل إلى شهادة ببقاء الوضع على ما هو عليه.
-
من جهتها، تقول IMF في قسم الأسئلة الشائعة إن برنامجها مع مصر يتضمن «حماية الأسر الفقيرة» لكن ملاحظاتها تؤكد أيضاً أن “الإصلاحات الهيكلية كانت مختلطة النتائج” حتى مارس 2025.
ماذا يجب أن تفعل الحكومة حتى يشعر المواطن البسيط بالتمويل؟
-
ربط التمويل بخفض تكاليف المعيشة مباشرة
-
دعم الطاقة والنقل العام بحيث تنخفض فاتورة المواطن.
-
ضمان ألا تُحمّل الأسرة بآثار رفع الطاقة أو الاستيراد بسبب إصلاحات.
-
-
تحويل التمويل إلى وظائف حقيقية في الصناعة والتصدير
-
استهداف القطاعات التي يمكن أن يوظف فيها شباب محلي.
-
دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المحافظات.
-
-
تحسين خدمات التعليم والصحة
-
الجزء المخصص للمنح (75 مليون يورو مثلاً) يجب أن يُستخدم لتحسين المدارس والمستشفيات، وليس مجرد شعار.
-
-
تفعيل الشفافية والمحاسبة
-
نشر بيانات أين الأموال وأين صرفت.
-
مشاركة المجتمع المدني في المتابعة.
-
وضع جدول زمني للتنفيذ مع مؤشرات واضحة.
-
-
ضمان العدالة الاجتماعية
-
لا يكون التمويل فقط للشركات الكبيرة أو للاستقرار المالي، بينما المواطن العادي يدفع الفاتورة.
-
ضمان أن أولى المستفيدين ستكون الأسر والعمال.
-
لو استُخدم التمويل كما يجب، يمكن أن يكون نقطة تحول للمواطن: بطالة أقل، أسعار أكثر استقراراً، جودة حياة أفضل.
لكن الواقع التاريخي يقول غير ذلك: القروض السابقة أسهمت في استقرار الاقتصاد الكلي، لكن المواطن البسيط لم يشعر بها بقدر كافٍ — الأسعار ارتفعت، المصروفات اليومية زادت، والعيش لم يتحسن كما هو مطلوب.
والسؤال الأهم:
هل الحكومة الحالية تعمل للناس؟ أم أن التمويل سيبقى أرقاماً تُسجل ولا تُترجَم إلى حياة أفضل؟
المواطن بحاجة إلى إجابة، وليس وعودًا.
إذا لم يشعر بتغيير حقيقي خلال الأشهر المقبلة — فإن هذا التمويل سيكون جزءاً آخر من “الديون الكبيرة” التي لا تُحسب لها نتائج ملموسة في الشارع.

