م.أ يكتب
تنتمي المؤسسة العسكرية، بحكم نشأتها ووظيفتها، إلى منطق الدولة الانضباطية؛
تنتمي المؤسسة العسكرية، بحكم نشأتها ووظيفتها، إلى منطق الدولة الانضباطية؛
دولة تُدار بالتراتبية،
تستمد كفاءتها من الوضوح،
وتُعرِّف النجاح بوصفه تنفيذًا مطابقًا للأمر.
في هذا الإطار، لا يُطلب من الفاعل أن يُجادل الواقع، بل أن يضبطه؛
ولا أن يوازن المصالح، بل أن يحسمها.
أما الدولة الحديثة، فتنتمي إلى منطق آخر مغاير:
دولة شبكية،
متعددة المراكز،
تقوم على التفاوض،
وتحيا بالتوازن،
وتنهار حين يُختزل تعقيدها في أمر إداري أو قرار أحادي.
وحين يُستدعى العسكري من فضاء الدولة الانضباطية إلى قلب الدولة الحديثة،
لا يحدث الانتقال تدريجيًا ولا أفقيًا،
بل يتم قذفُه من أعلى.
يدخل من نقطة السيادة، لا من مساحات التعلّم؛
يُوضَع في قمة الهرم، لا في طبقاته؛
ويُطالَب بإدارة حياة مدنية لم تُصمَّم أدواته أصلًا لإدارتها بالعقيدة العسكرية.
في هذا الموضع الهش، لا يواجه العسكري المجتمع مباشرة،
بل يتلقّاه وسطاء النفوذ المدني؛
أولئك الذين لا ينتمون إلى الدولة الحديثة ولا إلى الدولة الانضباطية،
بل يعيشون على الحدّ الفاصل بينهما.
لا يبنون مؤسسات،
بل يفسّرونها لمن يتصدّرها.
ولا يتحمّلون مسؤولية،
بل يوزّعونها بمهارة.
يُقدَّم للعسكري واقعٌ مُبسَّط،
ومجتمعٌ مختزل،
وفشلٌ مُعاد تعريفه باعتباره ثمن الحزم.
ويُقنَع—رويدًا—أن أدوات الانضباط تصلح لإدارة التعقيد،
وأن النقد خطر،
وأن الهيبة بديل عن الكفاءة.
هكذا تُدار الدولة الحديثة بعقل الدولة الانضباطية،
لا عن قناعة فكرية،
بل بفعل التضليل الوظيفي.
لكن الدولة الحديثة لا تنهار دفعة واحدة.
انكشافها جزئي وتراكمي:
مؤشرات تختل،
نتائج تتآكل،
وسرديات لم تعد تقنع.
وعند هذا الانكشاف الجزئي، تقع لحظة الفرز القاسي.
فالمدني الذي عاش في الظل،
ينسحب بطبيعته.
أما العسكري، بحكم موقعه،
فيبقى في الواجهة.
وأمام مرؤوسيه، لا تُناقَش البنية،
بل تُسجَّل المسؤولية.
فالمنطق العسكري لا يعرف “إدارة من الخلف”،
ولا يعترف بتوزيع الذنب.
من تصدّر القرار،
تحمّل عبئه كاملًا،
حتى وإن لم يكن صانعه الحقيقي.
وهنا يتجلّى المأزق الأخطر:
•العسكري يُحاسَب بمنطق الانضباط،
•على فشل وُلد في بنية مدنية،
•أُديرت بعقل لا يخصّه،
•وسوّقها له مدنيون انسحبوا عند أول تصدّع.
فتُستنزف الهيبة لا لأنها سقطت،
بل لأنها حُمِّلت ما لا تحتمل.
ويُشوَّه مفهوم الدولة،
حين تُدار الحياة المدنية بأدوات ليست لها،
ويُترك من تصدّر وحيدًا أمام النتائج.
الدولة الحديثة لا تُدار بالأوامر،
كما أن الدولة الانضباطية لا تُبنى بالتفاوض.
وخلط المنطقين لا ينتج قوة مركبة،
بل فشلًا مضاعفًا:
فشل في الإدارة،
وفشل في توزيع المسؤولية.
أما تحويل العسكري إلى واجهة لفشل مدني،
فليس حفاظًا على الدولة،
بل إعادة إنتاج بطيئة لأزمتها.

