حذّرت مجلة الإيكونومست البريطانية في تقرير جديد من أن معظم الدول الغنية باتت تواجه أزمة مالية حقيقية نتيجة تراكم الديون وتزايد الإنفاق العام، في وقت تتراجع فيه قدرتها على السيطرة على التضخم أو ضبط الموازنات العامة.
وقالت المجلة إن الأوضاع المالية للحكومات في حالة خراب شبه شامل، مشيرة إلى أن فرنسا تغيّر رؤساء وزرائها بوتيرة متسارعة بينما ترتفع ديونها، واليابان تواصل الإنفاق رغم ديونها الضخمة، وبريطانيا تواجه زيادات ضريبية جديدة رغم رفع الضرائب العام الماضي، أما الولايات المتحدة فتعاني عجزًا غير مسبوق يبلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمزيد من التخفيضات الضريبية.
ووفقًا للتقرير، فإن الديون العامة في الدول الغنية تعادل الآن 110% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يُسجّل منذ الحروب النابليونية. ويجد الساسة اليوم صعوبة في موازنة دفاترهم بسبب ارتفاع مدفوعات الفوائد والإنفاق الدفاعي وضغوط الشيخوخة السكانية، في حين يظل رفع الضرائب أمرًا مكلفًا سياسيًا وشعبويًا.
ورجّحت المجلة أن تلجأ الحكومات إلى التضخم كوسيلة لتقليل القيمة الحقيقية لمديونيتها المرتفعة، كما حدث عقب الحرب العالمية الثانية، خاصة أن البنوك المركزية باتت تملك أدوات تمكّنها من إدارة هذه السياسة المالية، وسط تصاعد هجمات التيارات الشعبوية على استقلالها.
وأضاف التقرير أن الذكاء الاصطناعي لن يكون الحل السحري لهذه الأزمة، إذ رغم قدرته على رفع الإنتاجية، فإنه يؤدي أيضًا إلى زيادة الإنفاق على التقاعد والرعاية الصحية، ويرفع الطلب على الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق، ما قد يرفع أسعار الفائدة ويجعل خدمة الديون أكثر كلفة.
وأشار التقرير إلى أن التضخم لا يقتصر على الأرقام الاقتصادية فحسب، بل يحمل تداعيات اجتماعية خطيرة، إذ يعيد توزيع الثروة بشكل عشوائي من الدائنين إلى المدينين، ومن أصحاب النقد والسندات إلى من يملكون أصولًا حقيقية، مما قد يُفكك الطبقة الوسطى التي تُعدّ ركيزة استقرار الديمقراطيات الغربية.
وحذّرت الإيكونومست من أن تجاهل القادة للقيود المالية قد يدفع الاقتصادات الكبرى نحو مصير شبيه بالأرجنتين، التي تحولت من واحدة من أغنى دول العالم إلى اقتصاد يعاني من أزمات مزمنة بسبب التضخم وسوء الإدارة.
واختتمت المجلة تقريرها بالتأكيد على أن هذا الانحدار ليس حتميًا، مشيرة إلى أن أزمات السبعينيات أفرزت زعماء مثل رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، اللذين أعادا الانضباط المالي واعتبرا استقرار العملة أساس العلاقة بين الدولة والمواطن.
وأكد التقرير أن العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما طريق الانهيار المالي أو طريق التعقّل الاقتصادي، وأن ما ستشهده السنوات المقبلة من مواجهات بين الأسواق والحكومات سيحدد شكل الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.
المصدر: The Economist – “The rich world faces a painful bout of inflation”, 16 October 2025

