بعد أسابيع قليلة من احتفال إثيوبيا باكتمال وتشغيل سد النهضة، أعلنت الحكومة الإثيوبية عن بدء تنفيذ مشروع سد ضخم جديد على نهر أومو، ليكون ثاني أكبر سد في تاريخها بعد النهضة، في خطوة وصفتها أوساط مصرية بأنها “استفزاز جديد” يهدد بتوسيع دائرة التوتر في شرق إفريقيا، خاصة مع عودة أديس أبابا للحديث عن “حقها في الوصول إلى البحر الأحمر”.
سد أومو كورا.. مشروع ضخم يثير الجدل
كشفت وسائل إعلام محلية وإقليمية أن المشروع الجديد، المعروف باسم «سد أومو كورا»، يُقام على نهر أومو قرب الحدود الكينية، بطاقة إنتاج كهربائي تصل إلى نحو 1600 ميغاواط، أي ما يعادل ربع إنتاج سد النهضة تقريبًا.
وبحسب الحكومة الإثيوبية، يهدف السد إلى دعم خطط التنمية في الجنوب وتوسيع شبكات الري والمشروعات الزراعية، إلى جانب تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة.
ورغم أن المشروع يأتي في إطار خطة طموحة لإنشاء خمسة سدود إضافية خلال العقد المقبل، فإن الإعلان المفاجئ عنه أثار تساؤلات حول قدرة إثيوبيا الاقتصادية والفنية على تنفيذ مشروع بهذا الحجم، خصوصًا في ظل تحديات التمويل الداخلي، والأزمات الأمنية التي تعيشها مناطق عدة من البلاد.
رسائل سياسية بعد النهضة
يرى مراقبون أن الإعلان عن السد الجديد يحمل رسائل سياسية أكثر من كونه خطوة تنموية فحسب، إذ يسعى رئيس الوزراء آبي أحمد لتأكيد أن بلاده ماضية في “طريق التنمية المستقلة”، رغم الانتقادات الدولية والاعتراضات المصرية والسودانية على سياسات إدارة الأنهار العابرة للحدود.
ويؤكد محللون أن آبي أحمد يحاول استثمار نجاح سد النهضة داخليًا لتعزيز شعبيته التي تراجعت في الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد الصراعات المسلحة في إقليمي تيغراي وأوروميا، والضغوط الاقتصادية التي تواجهها حكومته.
آبي أحمد: «سد النهضة نعمة.. والوصول للبحر الأحمر حق مشروع»
في تصريحات جديدة لشبكة CNN بالعربية، قال رئيس الوزراء الإثيوبي إن “سد النهضة ليس تهديدًا لأحد، بل نعمة لشعوب المنطقة كافة”، مشيرًا إلى أن بلاده “مستعدة لاستئناف المفاوضات مع مصر والسودان من أجل التوصل إلى تفاهم مشترك”.
لكن آبي أحمد أثار جدلاً واسعًا حين ربط بين ملف المياه وملف الوصول إلى البحر الأحمر، قائلاً: “إثيوبيا دولة كبيرة بلا منفذ بحري، واستعادة حقها في منفذ على البحر الأحمر أمر مشروع ومنطقي”.
واعتبر مراقبون أن هذا التصريح يشير إلى رغبة إثيوبيا في توسيع نفوذها الجغرافي عبر تفاهمات محتملة مع إريتريا أو صوماليلاند، وهو ما يثير قلقًا لدى دول المنطقة، خاصة مصر التي ترى في ذلك تهديدًا لمعادلات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر.
مصر ترد: لا لفرض الأمر الواقع
من جانبها، عبّرت القاهرة عن رفضها لأي خطوات أحادية جديدة تتعلق بمياه النيل أو المشروعات العابرة للحدود، مؤكدة أن “الأمن المائي المصري خط أحمر”.
وقال مصدر في وزارة الخارجية المصرية إن “القاهرة لن تقبل بسياسة فرض الأمر الواقع التي تمارسها أديس أبابا، سواء في ملف المياه أو في محاولات التأثير على التوازن الإقليمي في البحر الأحمر”.
وأشار المصدر إلى أن مصر تتابع التطورات الجارية “بدقة واهتمام”، وتواصل اتصالاتها مع الشركاء الإقليميين والدوليين لضمان عدم المساس بحقوقها التاريخية في مياه النيل.
خبراء يحذرون من “سلسلة سدود” جديدة
يرى خبير المياه والموارد الطبيعية الدكتور نادر نور الدين أن إثيوبيا تسير في “خطة ممنهجة للهيمنة على منابع النيل” عبر إنشاء عدد متزايد من السدود، مؤكدًا أن السد الجديد على نهر أومو “يُكمل سلسلة السدود الإثيوبية التي قد تؤدي إلى حجز أكثر من 100 مليار متر مكعب من المياه”.
وقال نور الدين في تصريحات لـ«راديو حريتنا» إن “ما يروّجه آبي أحمد عن كون السدود مشاريع تنموية مجرد أكاذيب، لأن غياب الاتفاق القانوني الملزم يجعلها أدوات ضغط سياسي أكثر من كونها مشروعات سلام”.
كما حذر من أن “تجاهل المجتمع الدولي لتصرفات إثيوبيا في ملف النيل سيشجعها على الاستمرار في بناء سدود أخرى دون تنسيق أو دراسات تأثير بيئي واضحة”.
بين المياه والبحر الأحمر.. طموح إثيوبي يقلق الجيران
تحركات أديس أبابا لم تقتصر على ملف الأنهار، بل امتدت إلى الحديث عن استعادة منفذ بحري، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في المنطقة.
ويرى الباحث في الشؤون الإفريقية محمود زيدان أن “الخطاب الإثيوبي الأخير يعكس توجهًا توسعيًا واضحًا”، مضيفًا أن “الربط بين السدود والطموحات البحرية يكشف عن تصور جديد لدور إثيوبيا في القرن الإفريقي”.
ويضيف زيدان أن “هذا التوجه قد يُحدث اضطرابات جديدة، ليس فقط مع مصر والسودان، بل مع دول البحر الأحمر والخليج أيضًا، التي تراقب الوضع بقلق بالغ نظرًا لحساسية الممرات البحرية”.
أزمة ممتدة بلا نهاية واضحة
بين السدود الجديدة والطموحات البحرية، تبدو إثيوبيا ماضية في سياسة توصف بأنها “مغامرة محسوبة”، بينما ترى مصر في هذه السياسة تهديدًا وجوديًا يستوجب تحركًا دبلوماسيًا عاجلًا.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة قد تشهد جولة جديدة من المفاوضات إذا التزمت الأطراف بالتهدئة، أو مواجهة سياسية حادة إذا استمرت أديس أبابا في خطواتها الأحادية.
ومع غياب أي اتفاق شامل حتى الآن، تبقى أزمة النيل واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في إفريقيا، ومؤشرًا على صراع أوسع حول المياه والنفوذ والطاقة في منطقة تشهد تنافسًا محمومًا على الموارد والحدود.

