أثار الحكم الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 19 أبريل 2026، بشأن رفض إثبات زواج مواطنين من الطائفة البهائية، موجة من الجدل الحقوقي، في وقت أعرب فيه مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف عن “قلقه البالغ وأسفه العميق” إزاء ما اعتبره تحوّلًا خطيرًا في مسار العدالة ومساسًا بجوهر الحقوق الدستورية.
وقال المركز، في بيان مطوّل، إن الحكم لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً قضائيًا تقليديًا، بل يمثل – بحسب وصفه – “تقنينًا للإقصاء المدني على أساس العقيدة”، محذرًا من تداعياته على مفهوم المواطنة المتساوية في مصر.
تفسير موسّع للنظام العام
وبحسب البيان، استندت المحكمة في حيثياتها إلى عدم الاعتراف بالبهائية ضمن الأديان السماوية الثلاثة، معتبرة أن ذلك يدخل في إطار حماية النظام العام، دون أن يمس حرية الاعتقاد.
غير أن المركز انتقد هذا التفسير، معتبرًا أن المحكمة توسّعت في مفهوم “النظام العام” على حساب مبدأ دستوري أصيل هو حرية العقيدة، مشيرًا إلى أن الحكم فرّق بين الحق في الاعتقاد وبين آثاره القانونية، بما يؤدي عمليًا إلى تقييد هذا الحق.
وأضاف أن هذا التوجه يفتح الباب أمام ما وصفه بـ”التدخل في ضمائر الأفراد”، عبر وضع قيود غير منصوص عليها دستوريًا، وهو ما اعتبره خروجًا عن الدور القضائي التقليدي.
الزواج بين الديني والمدني
وتوقف البيان عند اعتبار المحكمة الزواج من الشعائر الدينية، وهو ما رفضه المركز، مؤكدًا أن الزواج في الدولة الحديثة يُعدّ علاقة قانونية تعاقدية يمكن تنظيمها مدنيًا، بما لا يتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة.
ورأى أن قصر الاعتراف بالزواج على أطر دينية محددة يُقصي فئات من المواطنين من التمتع بحقوق قانونية أساسية، ويضعهم في وضع قانوني هش.
مخالفة لنصوص الدستور
واستند المركز إلى عدد من المواد الدستورية، أبرزها المادة (64) التي تنص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”، والمادة (53) التي تؤكد المساواة وعدم التمييز، معتبرًا أن الحكم يتعارض مع هذه المبادئ، ويُضعف ضمانات الحماية الدستورية للحريات.
كما أشار إلى مواد أخرى تتعلق بحماية الأسرة وحقوق الطفل، مؤكدًا أن إنكار الاعتراف القانوني بالزواج يهدد استقرار الكيان الأسري، ويؤثر على حقوق الأبناء في الهوية والتسجيل.
أبعاد دولية للأزمة
وأكد البيان أن الحكم يتعارض مع التزامات مصر الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل الاعتراف بالشخصية القانونية، ويحظر التمييز على أساس الدين، ويضمن حماية الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية في المجتمع.
وشدد المركز على أن هذه الالتزامات تُعد جزءًا من المنظومة القانونية الوطنية، وفقًا للدستور، ولا يجوز الانتقاص منها أو الالتفاف عليها.
تداعيات إنسانية واجتماعية
وحذر المركز من أن رفض إثبات الزواج لا يقتصر على كونه مسألة قانونية، بل يمتد ليشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بإثبات النسب وحقوق الأطفال.
وأشار إلى أن مثل هذه الأحكام قد تدفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى حلول غير رسمية أو “التحايل القانوني” لتوفيق أوضاعهم، ما يخلق حالة من الازدواجية بين الواقع القانوني والاجتماعي.
دعوة لإعادة النظر
وفي ختام بيانه، دعا مركز أندلس إلى إعادة النظر في هذه القضية من منظور دستوري وحقوقي شامل، يضمن احترام حرية العقيدة دون تمييز، ويعزز مدنية الدولة وسيادة القانون.
وأكد أن حماية الحقوق والحريات ليست فقط التزامًا قانونيًا، بل ضرورة للحفاظ على تماسك المجتمع، مشددًا على أن أي مساس بمبدأ المواطنة المتساوية قد ينعكس على الاستقرار العام ويعمّق فجوات الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

