مع اقتراب الأول من يوليو، يتصدر ملف الدعم النقدي للخبز المدعم النقاشات الاقتصادية والاجتماعية في مصر، وسط مخاوف متزايدة من تأثير القرار على ملايين المواطنين الذين يعتمدون على رغيف الخبز باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الغلاء.
وتسعى الحكومة إلى تحويل منظومة الخبز من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بحيث يحصل المواطن على قيمة مالية بدلاً من الرغيف المدعوم مباشرة. وتقول السلطات إن الهدف من هذه الخطوة هو منح المستفيدين حرية أكبر في اختيار احتياجاتهم، وتقليل الهدر والفساد داخل منظومة الدعم، التي اعترف وزير التموين بوجود تجاوزات فيها تقدر بنحو 30 مليار جنيه سنويًا.
لكن الإعلان عن الخطة أثار موجة واسعة من الجدل، خصوصًا مع ارتباط الخبز المدعم بالحياة اليومية لنحو 72 مليون مواطن. ويخشى كثيرون أن يتحول الدعم النقدي بمرور الوقت إلى مبلغ ثابت يفقد قيمته الشرائية مع ارتفاع الأسعار، بينما يظل سعر الخبز في السوق الحرة مرشحًا للزيادة بفعل التضخم وتكاليف الإنتاج.
ويرى منتقدو القرار أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في شكل الدعم، بل في قدرة الدولة على ضبط الأسواق ومواجهة الفساد. ويتساءلون: إذا كانت الحكومة تعترف بوجود مليارات الجنيهات المهدرة داخل المنظومة الحالية، فلماذا لا تبدأ بإصلاح الخلل ومحاسبة المسؤولين عنه قبل تغيير النظام بالكامل؟
كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي الدعم النقدي إلى تقليص الكميات الفعلية التي تستطيع الأسر شراءها من الخبز. فالرغيف المدعم ظل لعقود يوفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا، بينما قد يصبح المواطن في النظام الجديد مضطرًا للمفاضلة بين شراء الخبز أو توجيه الدعم إلى احتياجات أخرى مثل المواصلات أو الدواء أو الكهرباء.
وتشير بيانات رسمية إلى أن مصر تنتج نحو 4.7 مليار رغيف مدعم سنويًا، فيما تبلغ تكلفة دعم الخبز نحو 20 مليار جنيه. كما كشفت وزارة التموين أن نحو 850 ألف شخص جرى استبعادهم من منظومة الدعم خلال عمليات التنقية الأخيرة لعدم استحقاقهم.
ويحذر خبراء اقتصاد من أن نجاح التجربة مرهون بوجود آلية واضحة لربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم والأسعار، حتى لا تتآكل القيمة الحقيقية للمبالغ المخصصة للمواطنين بمرور الوقت، كما حدث في تجارب دعم نقدي سابقة.
وبين وعود الحكومة بتحسين كفاءة الإنفاق ومخاوف المواطنين من تراجع الحماية الاجتماعية، يبقى السؤال الأبرز: هل سيحافظ الدعم النقدي على حق المصريين في الحصول على الخبز، أم سيكون بداية مرحلة جديدة من تقليص الدعم الذي اعتمدت عليه الأسر محدودة الدخل لعقود طويلة؟
بالنسبة لملايين المصريين، لا يتعلق الأمر بتغيير آلية صرف الدعم فقط، بل بمستقبل رغيف الخبز نفسه، الذي ظل لسنوات طويلة أحد أهم رموز العدالة الاجتماعية والأمن الغذائي في البلاد.

