تثير الحرب الدائرة ضد إيران تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن تكلفتها الاقتصادية الحقيقية، في ظل تقديرات تشير إلى أن العمليات العسكرية الجارية قد تتحول إلى عبء مالي كبير يقع في نهاية المطاف على كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين.
ورغم أن النقاش العام حول الحروب يركز عادة على الأبعاد العسكرية أو الإستراتيجية، فإن الاقتصاد السياسي يقدم زاوية مختلفة، إذ إن تمويل الحروب يتم في النهاية من خلال الموازنات العامة للدول، سواء عبر الضرائب المباشرة أو عبر الاقتراض الحكومي، وهو ما يعني نقل الكلفة المالية إلى المواطنين بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي هذا السياق، تكشف الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي تُعرف باسم عملية “الغضب الملحمي”، عن بعد اقتصادي يتزايد بسرعة، ليصبح قضية داخلية في الاقتصاد الأمريكي وليس مجرد عملية عسكرية خارجية.
مليارات الدولارات في أيام قليلة
تشير تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن تكلفة أول مئة ساعة من العمليات العسكرية بلغت نحو 3.7 مليارات دولار، أي ما يقارب 891 مليون دولار يومياً.
كما أن نحو 3.5 مليارات دولار من هذه النفقات لم تكن مدرجة أساساً في ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، ما يعني أن الإدارة الأمريكية قد تضطر إلى طلب اعتمادات مالية إضافية من الكونغرس لتمويل العمليات العسكرية.
وتشير تقديرات أخرى نقلتها تقارير إعلامية إلى أن التكلفة الإجمالية للحرب تجاوزت بالفعل 5 مليارات دولار بعد احتساب الانتشار العسكري الإضافي وخسائر المعدات العسكرية.
تكاليف العمليات العسكرية
تعكس هذه الأرقام الطبيعة المكلفة للحروب الحديثة، إذ تتوزع النفقات العسكرية على عدة محاور رئيسية، تشمل تشغيل القوات المسلحة، وإعادة ملء مخزون الذخائر، إضافة إلى استبدال المعدات العسكرية المتضررة أو المدمرة.
وتشير البيانات إلى أن الذخائر العسكرية شكلت الجزء الأكبر من الإنفاق، إذ بلغت تكلفة استبدالها نحو 3.1 مليارات دولار من إجمالي الإنفاق خلال أول مئة ساعة من العمليات.
كما بلغت تكلفة العمليات الجوية خلال الفترة نفسها نحو 125 مليون دولار، بينما تستمر هذه العمليات في استنزاف الموارد العسكرية بمعدل يقارب 30 مليون دولار يومياً.
أما القوات البحرية المشاركة في العمليات، فقد بلغت تكلفة تشغيلها نحو 64 مليون دولار خلال الفترة الأولى من العمليات، مع استمرار استهلاك الموارد بمعدل يقارب 15 مليون دولار يومياً للحفاظ على مستوى العمليات الحالي.
كلفة الأسلحة المتطورة
يرتبط الارتفاع الكبير في تكلفة الحروب الحديثة بطبيعة الأسلحة المتطورة المستخدمة فيها، إذ تعتمد الجيوش الحديثة على الذخائر الموجهة بدقة، والتي تعزز الفعالية العسكرية لكنها تزيد من التكلفة المالية للعمليات.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن:
-
صاروخ توماهوك المجنح تبلغ كلفته نحو 3.6 ملايين دولار.
-
حزمة التوجيه JDAM التي تحول القنابل التقليدية إلى ذخائر موجهة تبلغ كلفتها نحو 80 ألف دولار.
-
صاروخ باتريوت المستخدم في أنظمة الدفاع الجوي تصل كلفته إلى نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
ويحذر خبراء الدفاع من أن الدفاع الصاروخي قد يصبح من أكثر عناصر الحرب تكلفة، إذ قد يتطلب اعتراض صاروخ واحد إطلاق عدة صواريخ دفاعية، ما قد يرفع تكلفة الاعتراض إلى أكثر من 40 مليون دولار في بعض الحالات.
تمويل الحرب عبر الديون
وتكشف التقديرات الأولية أن جزءاً كبيراً من الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب لم يكن مدرجاً في الموازنة الدفاعية الأمريكية، ما يرجح لجوء الإدارة الأمريكية إلى طلب تمويل طارئ من الكونغرس.
وتشير تقارير إلى أن التمويل الإضافي قد يصل إلى نحو 50 مليار دولار لتعويض الذخائر المستهلكة واستبدال المعدات العسكرية ودعم الانتشار العسكري في المنطقة.
ولا يُعد هذا المسار جديداً في السياسة المالية الأمريكية، إذ سبق أن استخدمت الحكومات الأمريكية آلية التمويل الطارئ في حربي العراق وأفغانستان، حيث تجاوز إجمالي الإنفاق في تلك الحروب تريليوني دولار خارج الميزانية الدفاعية التقليدية.
العبء على دافعي الضرائب
يُقدر عدد دافعي الضرائب في الولايات المتحدة بنحو 160 مليون شخص، وهو ما يسمح بتقدير العبء المالي للحرب على مستوى الفرد.
فوفقاً للتقديرات الحالية، فإن إنفاق 3.7 مليارات دولار خلال أول مئة ساعة من العمليات يعادل نحو 23 دولاراً لكل دافع ضرائب.
أما إذا ارتفعت التكلفة الإجمالية للعمليات إلى نحو 50 مليار دولار، فقد يصل العبء المالي إلى نحو 312 دولاراً لكل دافع ضرائب.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو محدودة عند النظر إليها بشكل فردي، فإنها تعكس السرعة الكبيرة لتراكم النفقات العسكرية إذا استمرت العمليات لفترة طويلة.
تأثير الحرب على الاقتصاد والأسعار
لا تتوقف آثار الحروب عند حدود الميزانيات الحكومية، بل تمتد إلى الاقتصاد اليومي للأسر، خاصة في قطاع الطاقة.
وتُعد إيران لاعباً مهماً في سوق النفط العالمي، كما أن موقعها الجغرافي قرب مضيق هرمز يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة عاملاً مؤثراً في أسعار الطاقة العالمية.
وقد يؤدي ارتفاع المخاطر الجيوسياسية إلى زيادة أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، كما يؤثر لاحقاً في أسعار النقل والصناعة والغذاء والكهرباء.
تأثير الكلفة على الرأي العام
تنعكس الكلفة الاقتصادية للحروب أيضاً على النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة.
فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن شريحة من الأمريكيين بدأت تبدي تحفظاً تجاه الحرب، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من التكاليف المالية والاقتصادية المرتبطة بها.
ويرى باحثون في السياسة الخارجية أن وضوح الصورة المالية للحروب يمثل عنصراً مهماً في النقاش العام داخل الأنظمة الديمقراطية، حيث يطالب الخبراء الإدارة الأمريكية بتقديم تقديرات أكثر دقة حول التكلفة الحقيقية للحرب.
الفاتورة الحقيقية للحروب
يبقى العامل الحاسم في تحديد التكلفة النهائية للحرب مرتبطاً بمدتها الزمنية.
فالحروب القصيرة قد تبقى ضمن نطاق مالي يمكن احتواؤه نسبياً، بينما تتحول الحروب الممتدة عادة إلى التزامات مالية طويلة الأمد قد تستمر لسنوات أو حتى عقود.
وتشير الخبرة التاريخية في الحروب الحديثة إلى أن التقديرات الأولية غالباً ما تكون أقل بكثير من التكلفة النهائية التي تظهر لاحقاً مع تراكم النفقات العسكرية والاقتصادية.
المصدر: الجزيرة

