بقلم – سید مهدی خدایی
أدى التصعيد الأخير في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية إلى تغيير جذري في المشهد السياسي الإيراني. ففي تطور غير مسبوق، أفادت تقارير بأن آية الله علي خامنئي ــ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وأعلى سلطة دينية في النظام السياسي الشيعي ــ قُتل في غارة جوية استهدفت مجمّع القيادة في طهران. كما قُتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين.
ولم تقتصر الضربات على المنشآت العسكرية فحسب، إذ تشير تقارير من داخل إيران إلى أن الهجمات طالت أيضاً ركائز أساسية في منظومة السيطرة الداخلية للنظام، بما في ذلك بنية قوات مكافحة الشغب، والمحاكم الثورية، ومؤسسات الادعاء العام. وفي الوقت نفسه، دعا فاعلون دوليون مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، إلى جانب شخصيات بارزة في المعارضة الإيرانية من بينهم رضا بهلوي، الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع واغتنام اللحظة من أجل رسم مستقبلهم السياسي.
لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: إلى أي مدى يمتلك المجتمع الإيراني القدرة الفعلية على الفعل السياسي في هذه اللحظة التاريخية؟
إن نظرة سريعة إلى تاريخ الاحتجاجات في إيران خلال العقدين الأخيرين تشير إلى أن المجتمع الإيراني بعيد كل البعد عن السلبية السياسية. فقبل اندلاع الربيع العربي بسنوات، أظهرت الحركة الخضراء عام 2009 للعالم أن المجتمع الإيراني يشهد تحولات عميقة ويسعى إلى التغيير الديمقراطي. وكان تركيز الحركة على التعبئة السلمية وغير العنيفة يمثل تحوّلاً استراتيجياً مهماً في مواجهة الجمهورية الإسلامية.
وفي السنوات اللاحقة، استمرت موجات الاحتجاج في الظهور: من الاحتجاجات الاقتصادية في عامي 2017 و2019، إلى الاحتجاجات الإقليمية المرتبطة بأزمة المياه، وصولاً إلى الانتفاضة الوطنية التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني عام 2022. وقد كشفت كل موجة من هذه الموجات عن مجتمع يزداد استعداداً لتحدي الحكم السلطوي رغم القمع الشديد.
وشكّلت حركة مهسا تحديداً نقطة تحوّل في الإبداع السياسي للمجتمع الإيراني. فبعد سنوات من الاعتماد على الشبكات المدنية المنظمة والنشاط السياسي التقليدي ــ وهي الهياكل التي استهدفتها الدولة مراراً بالقمع ــ لجأ العديد من المحتجين إلى ما يصفه عالم الاجتماع آصف بيات بـ «اللاحركات» (Non-Movements). وتتيح هذه الأشكال اللامركزية من المقاومة للأفراد، وخاصة النساء والشباب، تنسيق أفعال التحدي والاحتجاج دون قيادة مركزية أو تنظيم رسمي.
وكان من أبرز نتائج هذه الاستراتيجية التغير التدريجي في المعايير الاجتماعية المتعلقة بلباس النساء. فعلى الرغم من عقود من التطبيق الصارم لقوانين الحجاب، اضطرت الجمهورية الإسلامية إلى التراجع عن بعض أكثر سياساتها تدخلاً، بما في ذلك التعليق العملي لعمل ما يُعرف بـ«شرطة الأخلاق». وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، شكّل ذلك أحد أهم الانتصارات الاجتماعية منذ ثورة عام 1979.
كما تُظهر التجربة التاريخية أن المجتمع الإيراني دفع مراراً الدولة إلى التراجع عن سياساتها المتعلقة بالتحكم في الحياة اليومية عبر أشكال مشابهة من المقاومة غير الرسمية. فقد أدى الانتشار الواسع لأجهزة الفيديو في أوائل التسعينيات ــ رغم الحظر الرسمي ــ إلى تغيير القانون لاحقاً، كما أجبر الاستخدام الواسع لأطباق استقبال القنوات الفضائية الدولة على التخلي عن محاولاتها لمصادرتها من المنازل.
ولعبت الحركات النسوية والنشاط الطلابي دوراً محورياً في هذه اليقظة السياسية. فعلى الرغم من القمع الشديد، تمكنت الحركة النسوية في إيران ــ التي تعود جذورها إلى أكثر من قرن ــ من الحفاظ على شبكاتها التنظيمية وأنشطتها التثقيفية. كما أسهمت الحركة الطلابية، خصوصاً خلال فترة الإصلاحات في عهد الرئيس محمد خاتمي، في نشر خطاب الديمقراطية ومفاهيم المجتمع المدني بين قطاعات أوسع من الجمهور الإيراني.
وتشكّل هذه الشبكات مجتمعة بنية اجتماعية لا تزال تؤثر في الوعي السياسي داخل إيران حتى اليوم.
وخلال انتفاضة مهسا، حاول ناشطون أيضاً إنشاء بنية قيادية لما كان يُوصف غالباً بـ«الحركة بلا قيادة». وقد اعتُبر اجتماع جامعة جورجتاون، الذي جمع شخصيات مثل رضا بهلوي، والحائزة على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي، والقيادي الكردي عبد الله مهتدي، والصحفية مسيح علي نجاد، والممثلة نازنين بنيادي، والناشط حامد إسماعيليون، خطوة محتملة نحو تشكيل منصة موحدة للمعارضة. غير أن الاختلافات الأيديولوجية والطبيعة المتنوعة للمشاركين كشفت سريعاً عن صعوبة بناء قيادة سياسية متماسكة في الخارج.
ومع ذلك، بدأت التوقعات السياسية لدى بعض شرائح المجتمع الإيراني تتركز بشكل متزايد حول رضا بهلوي بوصفه شخصية انتقالية محتملة. ورغم أن قدرته على لعب هذا الدور ما تزال غير مؤكدة، فإن مبادراته السياسية الأخيرة وتصريحاته العلنية تشير إلى محاولة لصياغة رؤية أوضح لمستقبل إيران بعد الجمهورية الإسلامية.
في الوقت نفسه، تواجه الجمهورية الإسلامية واحدة من أعمق الأزمات في تاريخها. فقد أدى الضغط العسكري المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعاف مؤسسات أمنية أساسية، كما تصاعدت التكهنات بشأن مستقبل بقاء النظام. كما أن الحديث عن خطة لخلافة المرشد تتضمن مجتبى خامنئي ــ الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الخيار المفضل لخلافة والده ــ لم ينجح في إقناع كثير من المراقبين بإمكانية حدوث إصلاح حقيقي داخل النظام القائم.
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، تبدو إمكانية التحرر من الحكم السلطوي اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى. فقليل من اللحظات خلال العقود الأربعة الماضية شهدت هذا القدر من الاعتقاد بإمكانية انهيار الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن سقوط نظام سياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الحرية السياسية.
في كتابها «في الثورة» (On Revolution)، تميز الفيلسوفة السياسية حنّة أرندت بين مفهومين أساسيين: التحرر (Liberation) و الحرية (Freedom). فالتحرر يعني الإطاحة بنظام القمع ــ اللحظة التي يتحرر فيها المجتمع من الحكم السلطوي. أما الحرية، فلا تتحقق إلا عندما يتمكن المواطنون من الفعل الجماعي في الفضاء العام والمشاركة في تشكيل نظام سياسي جديد. وكثير من الثورات تنجح في تحقيق التحرر لكنها تفشل في ترسيخ الحرية. فقد يؤدي سقوط النظام القديم إلى إزالة الطغيان، لكن من دون مؤسسات سياسية مستقرة وفضاء عام نشط، يمكن أن تتبدد وعود الحرية سريعاً.
وبالنسبة للإيرانيين، ما تزال ذاكرة ثورة عام 1979 حاضرة بقوة. فقد أدى إسقاط النظام الملكي إلى التحرر من شكل من أشكال الحكم السلطوي، لكن غياب المؤسسات الديمقراطية فتح الطريق في النهاية أمام شكل آخر من الاستبداد.
وقد شكّل هذا الجرح التاريخي سبباً مهماً في حذر كثير من النشطاء الإيرانيين داخل البلاد وخارجها. فالخوف من تكرار التجربة ــ أي استبدال ديكتاتورية بأخرى ــ غالباً ما قيّد الدعوات إلى التغيير السياسي الجذري.
ومع ذلك، يبدو أن المجتمع الإيراني اليوم أكثر وعياً سياسياً من أي وقت مضى. فقد أدت سنوات طويلة من الاحتجاج والقمع والتحولات الاجتماعية إلى نشوء مجتمع يزداد استعداداً لمساءلة السلطة ومراقبة القيادة السياسية.
وستكشف الأشهر القادمة ما إذا كان هذا المجتمع ــ الذي تشكل عبر عقود من المقاومة ــ قادراً أخيراً على تجاوز الفجوة التي تحدثت عنها حنّة أرندت.
فهل ستنجح إيران هذه المرة في تحقيق التحرر والحرية معاً؟ أم أن التاريخ سيعيد نفسه مرة أخرى؟

