من داخل أروقة متحف المتروبوليتان للفنون، تتجلّى عظمة مصر القديمة من جديد في معرضٍ فريد يحمل عنوان “مصر الإلهية” (Divine Egypt)، حيث اجتمعت آلهة الفراعنة لتروي قصص الخلق والحياة والموت، في أضخم عرض يقدّمه المتحف عن الحضارة المصرية منذ أكثر من عقد.
افتتح المعرض في تشرين الأول، وسرعان ما تحوّل إلى حدث فني عالمي يجذب آلاف الزوار من محبي التاريخ والأسطورة، ليستكشفوا كيف صوّر المصريون القدماء آلهتهم عبر أكثر من ثلاثة آلاف عام من الحضارة.
تقول ديانا كريغ باتش، أمينة قسم الفنون المصرية في المتحف:
“قليل من الأمور تثير حماسة الجمهور مثل مصر القديمة. فهي أول حضارةٍ يتعرّف إليها الإنسان في المدرسة – الأهرامات، المومياوات، وقبر توت عنخ آمون العظيم… إنها جزء من ثقافتنا الشعبية، ومن الكتب والأفلام وألعاب الفيديو أيضًا.”
لكنّ باتش تأمل أن يمنح المعرض زوّاره فهمًا أعمق للعلاقة بين المصريين القدماء وآلهتهم، موضحةً أنّ تلك العلاقة لم تكن حكرًا على الملوك والكهنة فحسب، بل امتدّت إلى الناس العاديين الذين مارسوا عباداتهم اليومية في بيوتهم وأعيادهم.
تحيّة الافتتاح من آمون-رع وتوت عنخ آمون
يستقبل الزائرَ تمثالٌ مهيبٌ من متحف اللوفر بباريس يجسّد الإله آمون-رع جالسًا على عرشه، واضعًا يديه على كتفي الفرعون الصغير توت عنخ آمون في مشهدٍ يرمز إلى الحماية والرعاية الإلهية.
يمكن التعرّف إلى آمون-رع من تاجه الريشي ولحيته الملتفّة وحلّيه الملكية الفاخرة. كان يُعبَد في مجمّع معابد الكرنك، ويُعدّ أحد أبرز رموز القوة والخلق في الديانة المصرية القديمة.
تجلّي الإلهي: حورس وحتحور
في القاعة الأولى، يحتل الإله حورس والإلهة حتحور موقع الصدارة. يُصوَّر حورس في هيئة صقرٍ يرمز إلى الملك الحي وسيادته على مصر العليا والسفلى، فيما تتنوّع أشكال حتحور — إلهة الخصوبة والموسيقى والحماية — بين بقرةٍ أو امرأةٍ برأس أسد أو أفعى كوبرا، وغالبًا ما يُتوّج رأسها قرص الشمس بين قرني البقرة.
تقول باتش:
“هذان مثالان على تنوّع تمثيل الآلهة؛ بعضهم له أدوار متعددة، وبعضهم له دور واحد فقط.”
حاكم الكون: الإله رع
تُخصَّص القاعة التالية للإله رع، سيد الشمس والخلق والحياة. يُعرَض تمثالٌ لجُعرانٍ عملاق يرمز إلى طلوع الشمس من العالم السفلي، في تجسيدٍ لفكرة التجدد والبعث.
تشرح باتش:
“هذا هو تجلّيه الصباحي، إذ يُصوَّر كجُعرانٍ يرفع الشمس إلى السماء.”
وفي القاعة ذاتها، تُعرض لوحةٌ ملوّنة للإلهة ماعت، من وادي الملوك في طيبة (الأقصر حاليًا)، تجسّد الحقيقة والعدالة والنظام الكوني. تقول باتش:
“أفضل ترجمة حديثة لاسمها هي الاستقامة، فهي تمثّل العالم حين يكون في توازنه الصحيح.”
https://www.instagram.com/reels/DPw3MbVkSP2/
خلق العالم: تعدّد الأساطير
تتناول القاعة الرابعة خمس أساطير مختلفة حول خلق العالم والبشر، لتظهر تعددية الفكر الديني المصري القديم.
تقول باتش:
“آمل أن يدرك الزائرون أن المصريين لم يتبنّوا سردًا واحدًا للأحداث، بل قبلوا بتعدّد التفسيرات، وهذا ما يجعل أساطيرهم رائعة ومتداخلة.”
وتقف بجانب تمثالٍ ضخمٍ للإله مين، المصنوع من الحجر الجيري، والذي يرتبط بالنباتات والخصوبة الزراعية والمعادن، رغم غموض معانيه وغياب رأسه الأصلي.
مجابهة الحياة: الإله في قلب الشعب
تُبرز إحدى القاعات كيف كان المصريون العاديون يتواصلون مع آلهتهم في الأعياد والمواكب. تقول باتش:
“لم يكن يُسمح إلا للملوك والكهنة بدخول المعابد الرسمية، لكن في الأعياد، كان الإله يخرج على متن سفينةٍ مقدّسة، فيتجمّع الناس في الشوارع ليتحدثوا إليه ويسألوه ما شاؤوا.”
وسط القاعة، يقف تمثال ذهبي صغير للإله آمون من مجموعة اللورد كارنافون، الذي شارك في اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922.
مجابهة الموت: آلهة العالم الآخر
تتصدّر القاعة الأخيرة أعمالٌ مكرّسة لفكرة الموت والحياة بعده، من بينها تماثيل أنوبيس، إله التحنيط، وإيزيس ونفتيس، اللتين تحميان الموتى وتنوحان عليهم، وأوزيريس، سيد العالم السفلي وقاضي الخلود.
وتتوسط القاعة أبرز قطع المعرض: تمثالٌ ذهبيّ مطعَّمٌ باللازورد يُمثّل الثالوث المقدس “أوزيريس، إيزيس، وحورس”، مُعارٌ من متحف اللوفر، حيث يجتمع الذهب الذي يرمز إلى بشرة الآلهة مع اللازورد الذي يشير إلى شعرهم الإلهي.
تختتم باتش قائلة:
“على الرغم من أن القسم الأخير يتناول الموت، فإن معظم المعرض يتحدث عن الحياة، وهذا في جوهره ما كانت تدور حوله تلك الآلهة — السعي نحو الخلود في الحياة الأبدية.”
“مصر الإلهية” ليس مجرد معرضٍ عن الماضي، بل رحلة فكرية وروحية تستحضر رؤية المصريين القدماء للعالم، حيث تلتقي الأسطورة بالفن، والإيمان بالخلود، والتاريخ بالإبداع الإنساني الذي لا يفنى.

