أكد أحمد عبد العال، الباحث بـ مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن كثيرًا من الناس لا يدركون أن الفكر المتطرف لا يقوم فقط على تأويلات حرفية للنصوص أو شعارات دينية ظاهرة، وإنما يرتكز بالأساس على بنية نفسية خطيرة تُعرف بـ«منطق المظلومية»، وهي الآلية الأهم التي يعتمد عليها المتطرفون في استقطاب الأفراد، خاصة فئة الشباب، وتبرير العنف باسم الدين أو العدالة.
وأوضح عبد العال، خلال حلقة من برنامج فكر المذاع على قناة الناس، أن هذا المنطق يجعل الإنسان يعيش في حالة دائمة من الشعور بالاضطهاد، مقتنعًا بأن العالم كله يتآمر ضده، وأن ما يصيبه أو يصيب مجتمعه هو ظلم متعمد، وهي الأرضية النفسية المثالية التي يستغلها الفكر المتطرف لبناء خطاب الغضب والكراهية.
وأشار إلى أن المتطرفين يزرعون هذا الإحساس بطريقة ممنهجة، تبدأ بسرد قصص عن الظلم والفساد والتهميش، ثم إقناع الفرد بأنه ضحية مستهدفة، قبل أن يُقدَّم له التنظيم المتطرف باعتباره المنقذ وصاحب «الحل المثالي»، بل ويُقنع بأنه مؤيد إلهيًا لإقامة ما يُسمى بـ«المدينة الفاضلة».
وحذّر الباحث من أن خطورة منطق المظلومية لا تتوقف عند حدود الشعور بالظلم، بل تمتد إلى تبرير العنف والجرائم، حيث يصبح أي فعل دموي مبررًا بزعم استعادة العدالة المفقودة، متسائلًا: هل أقامت الجماعات المتطرفة العدل في المناطق التي سيطرت عليها؟ أم أنها مارست مظالم وجرائم تفوق ما اتهمت به غيرها، وهو ما دفع كثيرين ممن انضموا إليها إلى الهرب من بطشها، بينما عاش من تبقى تحت القهر والعنف.
وبيّن عبد العال أن الإسلام شرع للمظلوم الدفاع عن حقه، لكن ضمن إطار يحفظ حقوق الآخرين ويمنع الظلم، مؤكدًا أن الشرع لا يكتفي بالعدل فقط، بل يحث على الإحسان، لما له من أثر عميق في إصلاح الفرد والمجتمع، مستشهدًا بقوله تعالى: «ولا تنسوا الفضل بينكم»، وقوله سبحانه: «ادفع بالتي هي أحسن».
وأضاف أن الإحسان إلى من أساء ليس أمرًا سهلًا، لكنه من أعظم أبواب الإصلاح، مستشهدًا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه»، موضحًا أن هذا المنهج هو ما يحمي المجتمعات من الانزلاق إلى خطاب الغضب والتطرف.
كما أشار إلى نموذج نبوي بالغ الدلالة في تصحيح منطق المظلومية، يتمثل في موقف الصحابي خباب بن الأرت رضي الله عنه حين شكا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يلقاه من تعذيب واضطهاد، فجاء الرد النبوي اعترافًا بالألم دون تهويل، وتثبيتًا على الحق دون تبرير للعنف، وربطًا للمعاناة بالصبر والعمل والأمل، لا بالكراهية واليأس.
واختتم أحمد عبد العال بالتأكيد على أن الشعور بالظلم لا يجب أن يتحول إلى «مظلومية» تبرر العنف أو الخراب، بل ينبغي أن يكون دافعًا للإصلاح الواعي وبناء الإنسان، وبذلك يُغلق الباب أمام أخطر أدوات الفكر المتطرف في استغلال المشاعر وتوجيهها نحو العنف.

