بقلم – أحمد سميح
في كل صباحٍ دراسي، أمام معهد خاتم المرسلين الأزهري في منطقة العمرانية القريبة من الأهرامات بمحافظة الجيزة، كانت مجموعة من الطلاب تتجمع لقراءة القرآن في حلقة على شكل دائرة. كنتُ حينها طالبًا في مجموعة الشرطة المدرسية، ومسؤولًا عن تحية العلم، ومهتمًا بأن يدخل جميع الطلاب إلى المدرسة وينتظموا في الصفوف في تمام الساعة الثامنة صباحًا.
في أكثر من مرة، دعتني هذه المجموعة للانضمام إليهم في هذا النشاط الديني البسيط، لكنني وأصدقائي كنّا مختلفين تمامًا؛ فنحن نفس المجموعة التي كانت تذهب إلى المقهى بعد انتهاء اليوم الدراسي لتدخين الشيشة، والحديث مع الفتيات، وممارسة الرياضة، وتبادل الأشرطة الموسيقية، ومتابعة صيحات الموضة العالمية. لذلك كان من الصعب جدًا أن تجتمع مجموعتنا مع المجموعة المتدينة.
في ذلك الوقت لم يكن يُطلق عليهم اسم “الإخوان المسلمون”، بل كانوا يُعرفون باسم “شباب التيار الإسلامي”. وكانت هذه المجموعة الطلابية هادئة إلى حد كبير، تحاول فقط التواصل بشكل إيجابي، وممارسة بعض الأنشطة الدينية، أو تقديم المساعدة لبعض الطلاب الفقراء. وكانت تلك هي أول علاقة – وأول اطلاع – لي على جماعة الإخوان المسلمين.
بعد تخرجي من الجامعة، عملت مع منظمة حقوقية مصرية مهتمة بمختلف أنواع الانتخابات، وكان دوري متابعة انتخابات الاتحادات الطلابية في الجامعات. وكان من بين مهامي مقابلة القيادات الطلابية من جميع التيارات السياسية، وإعداد تقرير خاص عن العمل الطلابي والانتخابات داخل الجامعات.
في إحدى هذه المقابلات، التقيت بـ “الأخ نادر”، وهو طالب في كلية التجارة بجامعة القاهرة، ومسؤول الإخوان في الكلية. قال لي بوضوح:
«اتفاقنا هذا العام مع الأمن هو أن نحصل على حوالي 25% من قوائم الطلاب المرشحين للانتخابات داخل كليات جامعة القاهرة».
وكان الشاب واضحًا جدًا في أنه يعمل بحرية في الأنشطة الطلابية، بتنسيق مباشر مع المسؤول الأمني داخل الجامعة.
في ظل نظام مبارك المليء بالخوف والقيود، بدت لي هذه البراغماتية السياسية غريبة وغير مفهومة لشاب ليبرالي ناشط، إلا أنني وثّقتها في تقريري وذكرتها بوضوح.
في تلك الفترة، كانت الجماعة قادرة على التواصل والتفاهم مع النظام المصري، وكانت تعمل بشكل واضح وعلني في المجتمع المصري في مجالات كثيرة. وهي جماعة مؤثرة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وتمتلك قدرة تنظيمية عالية تجعل أعضاءها جزءًا مما يسمونه: “الفرد المسلم في المجتمع المسلم”، بهدف تحقيق نُصرة عالمية للإسلام أو استعادة حلم الخلافة الإسلامية.
كان ذلك قبل الربيع العربي بأكثر من عشر سنوات. وعندما جاء الربيع العربي، تعاملت الجماعة معه بحذر شديد وبطء واضح، في أيامه الأولى في تونس، ثم في مصر. فالجماعة ذات الطابع الإصلاحي لم يكن من السهل أن تتحول إلى جماعة ثورية خلال بضع سنوات. ولكن بعد مرور عشر سنوات كاملة، أصبحت الثورة والتثوير من السمات الطبيعية لدى الأجيال الأحدث من الإخوان المسلمين.
ونظرًا لغياب خلفية فكرية أو سند ديني واضح لفكرة الثورة بالمعنى السياسي والاجتماعي الحديث، لجأت الجماعة إلى أفكار وعناوين التنظيمات اليسارية الشيوعية والناصرية القديمة، وهو ما غيّر من طبيعة خطابها السياسي. ثم دخلت في صدام مباشر مع النظام والمجتمع المصري، وانقسمت إلى ثلاث مجموعات في الداخل والخارج:
1.مجموعة د. محمود حسين (الأمين العام للجماعة)
2.مجموعة الأستاذ مختار منير، بقيادة د. صلاح عبد الحي
3.مجموعة أصغر تُعرف باسم “المكتب العام” أو “ميدان”، وترى أن العمل المسلح جزء طبيعي من خطتها في التعامل مع النظام في القاهرة.
كما ظهر واقع جديد بسبب أحداث السابع من أكتوبر، وسقوط نظام بشار الأسد، والظهور القوي لأحمد الشرع.
القرار الرئاسي الأمريكي
قد لا يعلم كثيرون أن الولايات المتحدة كانت محطة مهمة ومؤثرة في تاريخ عدد من القيادات التاريخية للجماعة. فالقيادي البارز سيد قطب لم يتحول إلى التطرف إلا بعد زيارته لأمريكا، وتأثره بخطاب الجماعات المعادية للسامية هناك، لدرجة أنه، بصفته مسؤولًا تربويًا في الجماعة، كان يُدرج كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» ضمن سلسلة الكتب المقدمة للمنضمين الجدد.
كذلك، فإن الرئيس المعزول محمد مرسي لم يتعرف على جماعة الإخوان المسلمين وينخرط في صفوفها إلا أثناء دراسته في الولايات المتحدة بمنحة حكومية. والأمر نفسه ينطبق على الدكتور محمود حسين، الأمين العام الحالي للجماعة، والذي انضم إليها خلال دراسته في أمريكا.
إن القرار الرئاسي الأمريكي الأخير باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، يبدو وكأنه مدفوع بمصالح مباشرة بين واشنطن والرياض، رغم أن الحديث عنه بدأ منذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. ويبدو أن وجهة النظر السعودية تسعى إلى ربط أحداث 7 أكتوبر بجماعة الإخوان على المستوى العالمي، وليس فقط بحركة حماس في فلسطين.
لقد بذلت فروع الجماعة خارج فلسطين جهودًا كبيرة للتأكيد على أمرين أساسيين:
الأول: تصوير حماس كمنتصر أمام الرأي العام العربي والإسلامي، بغض النظر عن الواقع الميداني.
والثاني: استمرار استخدام القضية الفلسطينية كأداة حشد وتجنيد رئيسية في مختلف فروع الجماعة حول العالم.
وعندما صدرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، كان أحد أبرز عناوينها: «إنهاء الحروب الأبدية»، وهو ما يتقاطع مع الرؤية السعودية لهذا الصراع، والتي عبّر عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أكثر من مرة، وآخرها خلال زيارته إلى واشنطن في نوفمبر 2025.
من الصعب تصديق أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية ترى جماعة الإخوان المسلمين أكثر خطرًا على الأمن والسلم الدوليين من جماعات كان أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) عضوًا ومؤسسًا فيها. ومع ذلك، يبدو الشرع اليوم وكأنه يزور الولايات المتحدة أكثر مما يؤدي مناسك العمرة في مكة المكرمة.
ولهذا، وعلى عكس كثير من الكُتّاب والمحللين، أعتقد أن تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي قد يحمل في طياته دعوة غير معلنة لحوار استراتيجي عميق وطويل الأمد، حول مستقبل الشرق الأوسط، ومستقبل الجماعة في المنطقة.
وكما استطاعت كوادر الجماعة في بدايات الألفية الجديدة الوصول إلى حلول سياسية براغماتية، خاصة مع المؤسسة الأمنية في القاهرة، فهي قادرة – نظريًا – على إحداث تغييرات جذرية في بنيتها الفكرية والتنظيمية. وأرى أن هناك خمس نقاط أساسية قد تجعل هذا الحوار ممكنًا:
1.تخلي الجماعة عن العمل السري والتنظيم تحت الأرض.
2.التخلي عن فكرة “أستاذية العالم” وحلم إعادة الخلافة الإسلامية.
3.وقف دعم الفروع المسلحة، خاصة المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، وقطع أي صِلات سياسية أو مالية أو معنوية مع إيران وحزب الله.
4.تحديد موقف واضح من العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة، على غرار التجربة التركية.
5. الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان وفق المفهوم العالمي الحديث، وليس فقط من خلال مفهوم “الشورى”
لينك المقال الأصلي بموقع 👇🏻
https://www.turkiyetoday.com/opinion/muslim-brotherhood-and-us-terrorist-designation-or-a-coercive-call-for-strategic-dial-3210972

