جدد البابا ليو الرابع عشر دعمه لجهود منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي، معربًا عن تقديره لتعاونها مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار «كايسيد»، وذلك بالتزامن مع اتفاق قيادات دينية إسلامية ومسيحية على مجموعة من أولويات العمل الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
جاء ذلك خلال استقبال البابا أعضاء اللجنة التوجيهية للمنصة في ساحة القديس بطرس بروما، حيث أعرب عن أمله في أن تثمر جهودهم في تعزيز التعايش السلمي بمختلف أنحاء المنطقة العربية.
وتزامن اللقاء مع اختتام اجتماع اللجنة التوجيهية للمنصة لعام ٢٠٢٦، والذي جمع قيادات ومؤسسات دينية وخبراء في مجال الحوار لمراجعة ما تحقق خلال عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، ووضع أولويات المرحلة المقبلة.
وتركزت المناقشات على عدد من الملفات، في مقدمتها منع النزاعات ودعم الاستقرار والمصالحة في سوريا، وتعزيز الحوار بين الطوائف الإسلامية، ومواجهة خطاب الكراهية، بالإضافة إلى التعامل مع التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
وحدد الاجتماع عددًا من مجالات العمل المستقبلي، من بينها مواصلة مشاورات الحوار بين الطوائف الإسلامية، وتعزيز المشاركة في سوريا، وإطلاق مبادرات مشتركة في المنطقة العربية، وتنسيق جهود التصدي لخطاب الكراهية، إلى جانب تحديد أولويات برنامج عمل المنصة لعام ٢٠٢٧.
وتستند هذه الخطوات إلى نتائج مشاورات سابقة عقدت في أربيل ولبنان، إلى جانب مبادرات مخطط لها في سوريا والعراق ولبنان، والاستفادة من التجارب المتعلقة بمكافحة خطاب الكراهية في مصر.
الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل ضمن أولويات القيادات الدينية
واحتل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي مساحة بارزة من المناقشات، في ظل الدور المتزايد للتكنولوجيا في تشكيل الطريقة التي تنظر بها المجتمعات إلى بعضها البعض.
وأشار المشاركون إلى أن الأدوات الرقمية قد تسهم في تسريع انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والمحتوى الذي يعزز الاستقطاب عبر الحدود، لكنها في المقابل تمنح القيادات الدينية فرصة للوصول إلى شرائح أوسع من المجتمعات خارج نطاق دور العبادة التقليدية.
وناقش الاجتماع كيفية استخدام القيادات الإسلامية والمسيحية وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بصورة إيجابية لتوسيع نطاق الحوار بين أتباع الأديان والثقافات وتجاوز الحواجز الجغرافية والثقافية والدينية.
وقال السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لـ«كايسيد»، إن نجاح المنصة لن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بما تتيحه تلك الاجتماعات من فرص وما ينتج عنها من إنجازات.
وأكد أن الهدف لا يتمثل في إزالة الاختلافات، وإنما في منع تحولها إلى حواجز تعيق التعايش السلمي.
سوريا في صدارة المناقشات
وكان الملف السوري أحد أبرز محاور اجتماع روما، حيث ناقش المشاركون الدور الذي يمكن أن تقوم به القيادات الدينية والمجتمعية في المصالحة وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.
وأكدت الدكتورة هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا والعضو المؤسس في المنصة، أن مستقبل البلاد لا يرتبط بإعادة بناء البنية التحتية فقط، وإنما يتطلب كذلك إعادة بناء الثقة بين السوريين.
وشددت على أهمية مشاركة النساء والشباب والقيادات الدينية والمجتمعية في جهود المصالحة المحلية، إلى جانب حماية التنوع باعتباره ثروة وطنية ومنع تحوله إلى مصدر للتوتر.
من جانبه، أكد المطران إيمانويل أداماكيس، كبير أساقفة مجمع خلقيدونية ورئيس مجلس إدارة «كايسيد»، أن التحديات التي تواجه أي طائفة دينية تنعكس في نهاية المطاف على المجتمع بأكمله، مشددًا على الترابط بين سلامة مختلف مكونات المجتمع واستقراره.
كما أكد الأب لوران باسانيزي، رئيس مكتب دائرة الحوار بين أتباع الأديان في الفاتيكان وعضو مجلس إدارة «كايسيد»، في كلمة ألقاها نيابة عن الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد، أهمية تحويل النوايا المرتبطة بالحوار بين الأديان إلى مبادرات مستدامة تحقق نتائج ملموسة داخل المجتمعات.
وحذر من مخاطر تضخيم التحريض على الكراهية عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، داعيًا إلى استمرار العمل داخل المدارس والجامعات والمجتمعات الدينية ووسائل الإعلام، مع إيلاء اهتمام خاص بالأجيال الشابة.
بدوره، أكد الإمام يحيى بالافيتشيني، رئيس المجلس الأوروبي للقيادات الإسلامية ونائب رئيس الجماعة الدينية الإسلامية الإيطالية وإمام مسجد الواحد المركزي في ميلانو، أهمية تعزيز التعاون بين أوروبا والعالم العربي وترجمة الحوار إلى إجراءات ملموسة تدعم الكرامة الإنسانية والتعايش والقيم المشتركة.
ثلاثة برامج لتحويل الحوار إلى خطوات عملية
وسلط الاجتماع الضوء على ثلاثة برامج ينفذها «كايسيد» بالتعاون مع منصة الحوار وشركائها لتحويل الأولويات المطروحة إلى مبادرات عملية.
ويتضمن الأول «برنامج مشاريع حوارية»، الذي يدعم المبادرات المحلية في المنطقة العربية، ويركز خلال عام ٢٠٢٦، من خلال مسار الاستجابة للأزمات، على سوريا والسودان وفلسطين، بهدف دعم المجتمعات التي تتعرض فيها الثقة والتماسك الاجتماعي لضغوط نتيجة الصراعات.
أما البرنامج الثاني فهو «زمالة صحافة الحوار»، الذي يعمل مع الصحفيين والإعلاميين على تعزيز الممارسات الإعلامية المسؤولة ودور وسائل الإعلام في بناء السلام والتفاهم بين أتباع الأديان والحد من الاستقطاب.
ويتمثل البرنامج الثالث في «هي للحوار»، الذي يركز على دعم النساء وتعزيز أدوارهن في الحوار بين أتباع الأديان والثقافات وبناء السلام والوساطة والمشاركة المجتمعية.
ومن المقرر أن تسهم نتائج اجتماع روما في إعداد برنامج عمل المنصة لعام ٢٠٢٧، مع التركيز على المجالات التي يمكن للقيادات الدينية وشبكاتها الإقليمية وشراكتها مع «كايسيد» أن تحقق من خلالها تأثيرًا عمليًا في المنطقة العربية.
ويتخذ مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار «كايسيد» من لشبونة مقرًا له، وهو منظمة حكومية دولية تعمل على توظيف الحوار بين أتباع الأديان في منع النزاعات ودعم السلام والتماسك الاجتماعي وتعزيز التفاهم بين المجموعات الدينية والثقافية.

