أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الدولة المصرية أدركت مبكرًا خطورة التحديات التي تواجه الأسرة، واتخذت خطوات تستهدف تعزيز استقرارها وحمايتها، من بينها العمل على صياغة قوانين الأحوال الشخصية بصورة أكثر توازنًا وتكاملًا، وإنشاء «صندوق دعم الأسرة»، ودعم الأبناء بعد الانفصال، وتسريع تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقات.
جاء ذلك خلال كلمة مفتي الجمهورية في افتتاح المؤتمر الدولي السنوي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والمنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وقال عياد إن جهود الدولة تشمل كذلك تعزيز برامج التأهيل المجتمعي والنفسي والمادي للمقبلين على الزواج، بما يحقق التكامل بين مقاصد الشريعة والسياسات التي تستهدف الحفاظ على استقرار الأسرة.
وأشار إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم نموذجًا في حسن معاملة الأسرة وإقامة البيت على المودة والرحمة، مؤكدًا أن الاحتفاء بمولده ينبغي أن ينعكس في السلوك داخل البيوت، وتربية الأبناء وإدارة الخلافات الأسرية.
وأوضح المفتي أن عنوان المؤتمر يستند إلى أربعة محاور رئيسية، هي التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرة واستشراف مستقبلها، وصيانة الهوية، مشيرًا إلى أن التغيرات الاجتماعية المتسارعة تفرض مسؤولية متزايدة لتقديم نموذج حضاري قادر على التعامل مع الأزمات التي تواجه الأسرة.
وحذر عياد من أن الأسرة تواجه تحديات غير مسبوقة في ظل الانفتاح الرقمي والتطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، وإنما أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تشكيل وعي الأجيال واختياراتهم.
وأشار إلى أن انتقال جزء من التأثير التربوي من الوالدين إلى المنصات الرقمية والرفقاء الافتراضيين يمكن أن يضعف الحوار والتواصل المباشر داخل الأسرة، كما حذر من المخاطر المرتبطة بالمحتويات والممارسات الموجودة عبر «الدارك ويب»، وما قد تمثله من تهديد لأمن الأسرة والأبناء.
وتحدث مفتي الجمهورية عن تأثير ما وصفه بـ«السيولة المعرفية»، التي تتداخل معها الحدود بين الحقيقة والمعلومات الزائفة، ما قد يجعل المحتوى الأكثر انتشارًا أكثر قدرة على تشكيل الوعي من المحتوى الأكثر دقة.
كما حذر من اعتماد الأبناء بصورة متزايدة على منصات وتطبيقات رقمية في استقاء المعايير والقيم والمعلومات الدينية بدلًا من الأسرة والمصادر المتخصصة، إلى جانب المخاطر المتعلقة بالخصوصية وتأثير انتشار منظومات قيمية مختلفة عبر الحدود على الخصوصيات الدينية والثقافية للمجتمعات.
وأشار عياد إلى تحديات أخرى تواجه استقرار الأسرة، من بينها النظر إلى العلاقات الزوجية بمنطق الربح والخسارة، وتشويه بعض المفاهيم الشرعية المرتبطة بالحياة الأسرية، فضلًا عن المغالاة في تكاليف الزواج وما تفرضه من أعباء على الشباب.
وأكد أن دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تستندان إلى إرث مؤسسي يمتد لأكثر من مئة وثلاثين عامًا، موضحًا أن دور الفتوى لا يقتصر على الإجابة عن الأسئلة، وإنما يمتد إلى التعامل مع قضايا المجتمع واستشراف المشكلات قبل وقوعها.
وأوضح أن دار الإفتاء تتبنى ما وصفه بـ«الفقه الاستباقي»، الذي يستهدف معالجة أسباب المشكلات قبل ظهور نتائجها، ودراسة المآلات والعمل على حماية الوعي من التأثيرات السلبية.
وطرح مفتي الجمهورية خارطة طريق للتعامل مع التحديات التي تواجه الأسرة تقوم على أربعة أسس، في مقدمتها تفعيل «الاجتهاد المقاصدي» في الشؤون الأسرية، بما يحقق التوازن بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر.
ودعا عياد إلى تدريس مادة «الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة» لطلاب كليات الشريعة الإسلامية في مرحلتي الدراسة الجامعية والدراسات العليا، بهدف إعداد كوادر قادرة على تقديم فتاوى رشيدة في القضايا الأسرية.
ويتضمن المحور الثاني مواجهة تحديات الوعي الرقمي من خلال إنتاج محتوى فقهي وعلمي موثوق وميسر بلغات متعددة، وشرح المفاهيم الأسرية بلغة معاصرة، بما يوفر مصادر موثوقة لمحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ويحد من انتشار المعلومات المغلوطة أو المنحازة.
أما المحور الثالث، فيركز على تصحيح المفاهيم الأسرية الخاطئة ومواجهة خطابات التشدد والإلحاد الرقمي، إلى جانب تكثيف برامج التأهيل قبل الزواج والإرشاد الأسري بعده، وتعزيز الحوار داخل الأسرة ووضع ضوابط واعية لاستخدام التكنولوجيا.
ويقوم المحور الرابع على إطلاق شراكات مؤسسية متعددة التخصصات تجمع علماء الشريعة بخبراء الاجتماع وعلم النفس والتربية والتكنولوجيا والإعلام والقانون، باعتبار أن التحديات المعاصرة التي تواجه الأسرة لا يمكن التعامل معها من خلال حلول أحادية.
وفي ختام كلمته، دعا مفتي الجمهورية إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات وتبادل المعرفة والخبرات، مؤكدًا ضرورة تطوير العمل الإفتائي بما يجمع بين الاستنباط الفقهي وفهم التطورات في مجالات الطب والنفس والاجتماع والتكنولوجيا والقانون، وصولًا إلى مقاربات تساعد على حماية الأسرة ومعالجة أسباب المشكلات واستشراف تحديات المستقبل.

