أكد الكاتب والروائي الدكتور يوسف زيدان أن الهجوم على رموز التراث العلمي العربي، وفي مقدمتهم الشيخ الرئيس ابن سينا، يكشف عن غياب الفهم الحقيقي لقيمة إسهاماتهم في تاريخ المعرفة الإنسانية، مشددًا على أن ابن سينا لم يكن مجرد طبيب وفيلسوف، بل شخصية علمية استثنائية أنارت العالم لقرون طويلة.
وقال زيدان، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ في برنامج «كل الكلام» المذاع على قناة «الشمس»، إن انشغاله منذ بداياته البحثية بسؤال «من أين بدأ العلم؟» قاده إلى اكتشاف مساحات عميقة من التداخل بين التصوف وتاريخ العلوم، رغم أن المجالين يبدوان للوهلة الأولى متباعدين.
وأوضح أن نماذج كثيرة في التراث العربي والإسلامي جمعت بين الإشراق الروحي والمنهج العلمي، ومن أبرزها ابن سينا، الذي قدّم إسهامات كبرى في الطب والفلسفة، وترك مؤلفات روحية وفكرية تؤكد ثراء تجربته المعرفية.
وتطرق زيدان إلى جذور الطب في الحضارات القديمة، مؤكدًا أن مصر القديمة حققت تقدمًا لافتًا في الممارسة الطبية، مستشهدًا بالبرديات الفرعونية التي وثّقت جراحات دقيقة، من بينها جراحات الجمجمة، مشيرًا إلى أن التئام عظام بعض المومياوات بعد العمليات يثبت نجاح هذه الجراحات وبقاء أصحابها على قيد الحياة لسنوات.
كما أشار إلى أن أبقراط لعب دورًا محوريًا في تحويل الطب إلى علم مدوّن ومتاح، بعدما أنهى احتكار الكهنة للمعرفة الطبية، قبل أن تجمع مدرسة الإسكندرية تراث أبقراط وجالينوس وتعيد تنظيمه في صورة مراجع أساسية مهّدت لاحقًا لازدهار الطب في الحضارة الإسلامية.
وأكد زيدان أن أطباء الحضارة العربية الإسلامية طوّروا منظومة طبية متقدمة، كان من أبرز أعلامها أبو بكر الرازي، الذي وصفه بأنه المؤسس الأول للطب الإكلينيكي السريري في العالم، لافتًا إلى أنه نقل الطب من التنظير الفلسفي إلى الملاحظة المباشرة على سرير المريض داخل المستشفيات.
وأضاف أن ابن سينا أحدث «الفتح الأكبر» في تاريخ الطب الوسيط من خلال كتابه الشهير «القانون في الطب»، الذي نظّم المعرفة الطبية في نسق علمي هائل، وطرح فيه رؤية متقدمة في التعامل مع الأمراض النفسية والعقلية، قائمة على البحث عن السبب المباشر للمرض بعيدًا عن التفسيرات الغيبية.
وتناول زيدان كذلك مكانة ابن النفيس، موضحًا أنه كان شديد التقدير لابن سينا، ودرّس كتابه «القانون في الطب» وشرحه، غير أنه خالفه في بعض القضايا الفلسفية، وترك إسهامات كبرى من بينها اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، ورفض استغلال الفتن التاريخية في الصراعات الفكرية والسياسية.
وفي سياق حديثه عن المؤسسات الطبية، قال زيدان إن البيمارستانات في الحواضر الإسلامية، مثل بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس، كانت مراكز متقدمة للعلاج والتعليم والرعاية، مشيرًا إلى أن مستشفى قلاوون في القاهرة يمثل نموذجًا فريدًا لمؤسسة طبية استمرت في تقديم خدماتها قرابة 800 عام دون انقطاع.
وانتقد زيدان تهميش التاريخ العلمي والطبي العربي في المناهج والوعي العام، معتبرًا أن استعادة هذا التراث ليست رفاهية ثقافية، بل ضرورة لفهم الذات وبناء المستقبل.
وفي حديثه عن الطب الحديث، حذر زيدان من الهوس الدوائي والاعتماد المفرط على المسكنات والعقاقير الكيميائية، معتبرًا أن شركات الأدوية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية ضخمة يغلب عليها منطق الربح، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للتدبير الغذائي والوعي الصحي المتوازن، دون إنكار أهمية الطب الحديث عند الحاجة.

