قدّمت فايننشال تايمز قراءة موسعة لأسباب تعثّر المرحلة الأولى من مشروع “ذا لاين” ضمن مدينة نيوم السعودية، موضحةً أن ما وُصف لسنوات باعتباره نموذجًا حضريًا جديدًا اصطدم بسلسلة من التحديات الهندسية والبيئية والتمويلية، ما أدى إلى تقليص نطاق التنفيذ بشكل كبير مقارنة بالتصور الأصلي.
يشير التقرير إلى أن “المرسى المخفي” كان أحد العناصر المحورية في الرؤية المعمارية للمشروع، مع أفكار تصميمية غير مسبوقة كتعليق مبنى ضخم على قوس فوق المرسى، وملعب يتسع لـ 45 ألف متفرج على ارتفاع يقارب 350 مترًا. ومع تقدم المخططات، أبلغ معماريون وإداريون — وفق روايات منسوبة لهم — عن صعوبات إنشائية أساسية تتعلق بتعليق كتل إنشائية كبيرة، ومسائل السلامة والتشغيل والصيانة، فضلًا عن تعقيدات خدمات المياه والصرف والنقل داخل مبنى طولي بارتفاع ثابت يبلغ 500 متر وامتداد يقارب 170 كيلومترًا.
على المستوى المالي واللوجستي، يذكر التقرير أن تقديرات المواد والتمويل ارتفعت بشكل لافت، مع احتياجات ضخمة من الفولاذ والخرسانة وأنظمة الواجهات الزجاجية قد تؤثر على طاقات الإنتاج والسلاسل العالمية. ورغم بدء أعمال أساسات واسعة النطاق منذ 2022، يوضح التقرير أن خطط عدد الوحدات المستهدفة تقلّصت تدريجيًا، وأن جذب استثمارات خارجية بالحجم المطلوب لم يتحقق بالوتيرة المتوقعة.
بيئيًا، يعرض التقرير ملاحظات خبراء حول مسارات هجرة الطيور والثدييات عبر جبال الحجاز ومحيط خليج العقبة، وما إذا كانت واجهات عاكسة بارتفاعات كبيرة قد تُحدث تأثيرات سلبية، مع طرح حلول تقنية (مثل تنقيط الواجهات) تبقى — وفق آراء فنية منسوبة — غير كافية لمعالجة المشكلة على نطاق المشروع كله.
وفي ما يخص البنية التحتية للنقل، يشير التقرير إلى أن التصورات الأولية لقطار فائق السرعة ومطارات مرتبطة بالشبكة واجهت مراجعات لاحقة، مع أولوية تشغيلية مُنحت لمطار قائم على الساحل وتباطؤ في مسارات أخرى، ما انعكس على ترابط عناصر الخطة الأصلية.
بحسب فايننشال تايمز، تفيد مصادر عملت بالمشروع بأن التركيز تحوّل حاليًا إلى نطاق أصغر ضمن المرحلة الأولى وإلى مشروعات محددة داخل نيوم (مثل “تروجينا”)، مع تأكيد رسمي بأن “ذا لاين” يظل أولوية استراتيجية طويلة الأمد ومشروعًا متعدد الأجيال بحجم وتعقيد غير مسبوقين.
يخلص التقرير إلى أن “ذا لاين” يجسّد حالة نادرة من امتزاج الطموح الحضري الكبير مع تحديات التنفيذ الواقعي: ابتكارات إنشائية ولوجستية وبيئية غير مسبوقة من جهة، وحاجة إلى نماذج تمويل وجدولة وتسليم أكثر قابلية للتطبيق من جهة أخرى. وفي حين تستمر بعض الأعمال والمراجعات الفنية، يبقى الإطار الزمني وحجم التنفيذ النهائي رهنًا بقدرة المخططين على مواءمة الرؤية مع حدود التقنية والموارد والسوق.

