تصاعدت عزلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الأيام الماضية، بعد موجة انتقادات وقرارات من دول كبرى مثل أستراليا وفرنسا، بالتزامن مع موقف فلسطيني حازم ودعوات دولية متزايدة للاعتراف بدولة فلسطين، وصولًا إلى احتجاجات داخل الولايات المتحدة استهدفت شركة “مايكروسوفت” بسبب تعاونها مع الجيش الإسرائيلي.
في أستراليا، تدهورت العلاقات بشكل حاد بعدما أعلنت كانبيرا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل. وردّت الحكومة الأسترالية بإلغاء تأشيرة النائب المتطرف سيمحا روثمان خشية إثارة الانقسام داخل المجتمع، بينما ردت إسرائيل بإلغاء تأشيرات دبلوماسيين أستراليين معتمدين لدى السلطة الفلسطينية، وهو قرار وصفته كانبيرا بـ”غير المقبول”.
ولم يكتف نتنياهو بذلك، بل هاجم رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز ووصفه بأنه “سياسي ضعيف خان إسرائيل وتخلى عن يهود أستراليا”. غير أنّ وزير الداخلية الأسترالي توني بيرك ردّ بقوة قائلًا: “القوة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يمكنكم تفجيرهم أو بعدد الأطفال الذين يمكنكم تركهم يتضوّرون جوعًا”. ويأتي ذلك رغم أنّ مدينة ملبورن الأسترالية احتضنت منذ خمسينيات القرن الماضي آلاف الناجين من المحرقة، وأصبحت موطنًا لأكبر عدد منهم بعد إسرائيل نسبةً إلى السكان.
أما في فرنسا، فقد ردّ قصر الإليزيه على اتهامات نتنياهو بأن الرئيس إيمانويل ماكرون يؤجج معاداة السامية بسبب دعوته للاعتراف بدولة فلسطين. ووصف البيان الفرنسي تصريحات نتنياهو بأنها “دنيئة ومبنية على مغالطات”، مؤكّدًا أنّ الجمهورية الفرنسية “تحمي وستحمي دائمًا مواطنيها اليهود”. من جانبه، شدّد الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية بنجامان حداد على أنّ بلاده “لا تحتاج دروسًا من أحد في محاربة معاداة السامية”، مذكّرًا بأن استغلال هذه القضية لتبرير الاحتلال أمر “غير مقبول”.
بدورها، اعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية أنّ هجوم نتنياهو على فرنسا وأستراليا “غير مبرر ومعاد للسلام”، مؤكدة أنّ “أسطوانة الخلط بين انتقاد الاحتلال وبين كراهية اليهود باتت مكشوفة ولا تنطلي على أحد”. ودعت الخارجية الدول كافة إلى مواجهة “الصلف الإسرائيلي” والمضي نحو الاعتراف بدولة فلسطين بشكل جماعي أو فردي “حماية لحل الدولتين ودفاعًا عن القانون الدولي”.
ويأتي ذلك في وقت يزداد فيه الزخم الدولي نحو الاعتراف بفلسطين، إذ كان ماكرون قد أعلن في أبريل الماضي أنّ باريس قد تتخذ هذه الخطوة، قبل أن يؤكد في يوليو أنّه سيعلن القرار رسميًا أمام الأمم المتحدة في سبتمبر. كما شهدت نهاية يوليو انعقاد مؤتمر “حل الدولتين” في نيويورك برعاية فرنسا والسعودية، والذي خلص إلى “إعلان نيويورك” الداعي لمنح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة.
وفي الولايات المتحدة، امتدت الضغوط إلى القطاع التكنولوجي، حيث تظاهر موظفون حاليون وسابقون في شركة “مايكروسوفت”، إلى جانب ناشطين وسكان محليين، أمام المقر الرئيسي للشركة في ولاية واشنطن. ونصب المحتجون خيامًا وعلقوا لافتة كُتب عليها “ساحة شهداء الأطفال الفلسطينيين”، مطالبين الشركة بوقف تعاونها مع الجيش الإسرائيلي. وكانت “مايكروسوفت” قد أكدت في مايو الماضي تقديم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الإسرائيلية، بينما كشف تحقيق أجرته وكالة “أسوشيتد برس” مطلع العام الجاري أن هذه التقنيات استُخدمت في برنامج عسكري إسرائيلي لاختيار أهداف القصف في غزة ولبنان.
بهذا، يجد نتنياهو نفسه أمام عزلة متصاعدة، حيث لم تعد الانتقادات موجهة فقط من خصومه التقليديين، بل امتدت لتشمل دولًا غربية كبرى كانت تُعد تاريخيًا من أقرب حلفاء إسرائيل، فضلًا عن احتجاجات شعبية وشركات كبرى داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تحوّلًا متزايدًا في المواقف الدولية تجاه الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.

