أثار بيان مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، الصادر اليوم، حالة واسعة من الجدل بعد إعلانه أن مصر شهدت خلال انتخابات مجلس النواب 2025 “أكبر موجة إبطال انتخابي منذ عقود”، معتبرًا أن ما حدث لا يمكن وصفه إلا بـ“انهيار شامل في منظومة إدارة العملية الانتخابية”، ومطالبًا بإقالة رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات اللواء أحمد إبراهيم مصطفى سليمان، وإعادة الانتخابات من جديد على مستوى الجمهورية.
جاء البيان في أعقاب سلسلة من الأحكام القضائية التي أصدرتها المحكمة الإدارية خلال الأيام الأخيرة، والتي قضت بإبطال نتائج الانتخابات في عدد كبير من الدوائر، وصل إلى ما يقارب ثلاثين دائرة في المرحلة الأولى وحدها، وهو رقم وصفه مركز أندلس بأنه “غير مسبوق في تاريخ الانتخابات المصرية الحديثة”، إذ لم يسبق أن تم إلغاء هذا العدد الضخم دفعة واحدة نتيجة طعون بالفساد أو أخطاء جسيمة في إجراءات التصويت والفرز.
وبحسب مصادر قانونية تابعت الطعون، فقد استندت المحكمة في قراراتها إلى وجود مخالفات واسعة النطاق، بينها عدم تطابق أعداد الناخبين المقيدين مع محاضر الفرز، واختفاء استمارات تصويت، وتضارب محاضر اللجان الفرعية مع اللجان العامة، بالإضافة إلى شكاوى من منع وكلاء مرشحين معارضين من دخول بعض اللجان. وأكدت هذه المصادر أن حجم التضارب في البيانات وغياب الشفافية في مراحل الحصر والجمع يكشف أن “العملية برمتها جرت بمنهج إداري غير منضبط”، وهو ما أتاح للطاعنين الفوز بأحكام قضائية متتابعة خلال فترة زمنية قصيرة جدًا.
مركز أندلس قال في بيانه إن ما جرى “لا يمكن التعامل معه كأخطاء فردية أو تجاوزات محدودة”، وإن بطلان هذا العدد الكبير من الدوائر يعني أن هناك “خللاً هيكليًا” داخل الهيئة الوطنية للانتخابات، محمّلًا المسؤولية المباشرة لرئيس الهيئة اللواء أحمد إبراهيم مصطفى سليمان الذي يقود المؤسسة منذ عدة أعوام. وأكد المركز أن استمرار الهيئة الحالية “يمثّل خطرًا على ما تبقّى من ثقة المواطنين في المسار الانتخابي”، مشددًا على ضرورة إقالة رئيس الهيئة ومجلس إدارتها بالكامل وفتح تحقيق إداري واسع في أسباب الانهيار التنظيمي الذي أدى إلى هذا الوضع.
وأوضحت مصادر خاصة لـ“راديو حريتنا” أن عدة منظمات حقوقية محلية رصدت خلال يومَي التصويت للمرحلة الأولى ملاحظات متكررة بشأن غياب القضاة عن بعض اللجان، إلى جانب تأخر فتح مراكز الاقتراع لساعات في مناطق مختلفة. كما وردت شكاوى موثقة حول وجود دعاية انتخابية مكثفة داخل محيط اللجان في مخالفة صريحة للقانون، وقيام مندوبين عن بعض المرشحين بتوجيه الناخبين علنًا. وسجّل مراقبون أن الهيئة الوطنية للانتخابات لم تصدر أي بيانات رسمية تشرح أو تفسّر أسباب هذه الفوضى، ولم تقدّم ردًا قويًا على الاتهامات المتداولة، وهو ما زاد من الشكوك بشأن شفافية العملية.
وفي اتصال أجرته “حريتنا” مع أحد أعضاء فريق مراقبة الانتخابات في إحدى المحافظات الريفية، قال إن بعض لجان التصويت شهدت “غيابًا شبه كامل للرقابة”، وإن العملية لم تكن تسير وفق القواعد المعتمدة. وأشار إلى أن بعض اللجان لم تُعلَن نتائجها في الأوقات المحددة، بينما تم إرسال صناديق من لجان فرعية دون حضور وكلاء المرشحين. ووصف ما حدث بأنه “أزمة ضمير انتخابي قبل أن يكون أزمة تنظيم”.
البيان الصادر عن مركز أندلس شدد في نهايته على ضرورة إعادة الانتخابات في جميع الدوائر التي شابتها مخالفات، بل وطالب بإعادتها على مستوى الجمهورية لضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين وتفادي التأثير السلبي للإبطال الجزئي على تكوين المجلس المقبل. كما دعا إلى فتح الباب أمام رقابة حقوقية واسعة، وإعادة النظر في قواعد تعيين موظفي اللجان، والتأكيد على إشراف قضائي كامل غير منقوص.
ويرى محللون تحدثوا لـ“حريتنا” أن الأزمة الحالية قد تكون مؤشرًا على مرحلة جديدة من التوتر السياسي في البلاد، وأن إعادة الانتخابات بشكل واسع سيضع الحكومة أمام تحديات كبيرة لوجستية ومالية وسياسية. لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن تجاهل هذه الأحكام القضائية أو محاولة الالتفاف عليها “سيعيد إنتاج أزمة شرعية قاسية لن يتحملها النظام السياسي”.
وتبقى الأنظار متجهة الآن إلى الهيئة الوطنية للانتخابات وما إذا كانت ستصدر ردًا رسميًا على مطالب مركز أندلس، وكذلك إلى الحكومة التي تواجه ضغوطًا متزايدة لتقديم تفسيرات واضحة حول أسباب الخلل الذي أدى إلى إلغاء عشرات النتائج دفعة واحدة. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع المصري خطوات حاسمة، يواصل المجتمع المدني التأكيد أن الطريق الوحيد لاستعادة الثقة العامة هو “إعادة بناء منظومة الانتخابات من جذورها، ووضع إرادة الناخبين فوق أي اعتبار إداري أو سياسي”.

