أكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين أن الجرائم التي يتعرض لها قطاع غزة حاليًا، من تسريبات معتقل «سديه تيمان» ومنع عمل المنظمات الدولية واغتيال الرموز الفلسطينية، لا تمثل أحداثًا عشوائية أو ردود فعل آنية، بل تأتي في إطار تطبيق عملي لاستراتيجيات إسرائيلية قديمة وُضعت منذ نكبة عام 1948 بهدف تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني.
وأوضح حسين، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ ببرنامج «كل الكلام» المذاع على قناة قناة الشمس، أن عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر جاءت بوصفها ممارسة لحق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية لأي شعب واقع تحت الاحتلال، إلا أن إسرائيل استغلت الحدث باعتباره «فرصة تاريخية» لتنفيذ مخطط تهجير مؤجل، سبق أن حاولت فرضه في أعوام 1955 و1972 وخلال فترة الثمانينات دون نجاح.
وأشار إلى ما يُعرف بـ«خطة الحسم» التي وضعها الوزير الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش عام 2017، والتي تضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات فقط: القبول بالعيش كمواطنين من الدرجة الثانية تحت سيادة إسرائيل الكبرى، أو التهجير القسري خارج الأرض، أو القتل لكل من يرفض الخيارين، مؤكدًا أن ما يجري في غزة حاليًا هو التطبيق الميداني لهذه الخطة عبر الانتقال من العقوبات الاقتصادية إلى الإبادة الجماعية.
وحذّر حسين من اختزال الأزمة في شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقط، مشددًا على أن المشهد السياسي الإسرائيلي بأطيافه كافة، يمينًا ووسطًا ويسارًا، يتوافق على إنكار وجود الشعب الفلسطيني ورفض قيام دولته، وهو ما تجلّى بوضوح في تصويت الكنيست الإسرائيلي الأخير الذي حظي بتأييد أغلبية ساحقة، شملت شخصيات محسوبة على التيار المعتدل مثل بيني غانتس ويائير لابيد.
وربط حسين بين النظرة العقائدية الصهيونية التي تعتبر الفلسطينيين «أغيارًا» لا يستحقون الحياة، وبين الممارسات الوحشية داخل المعتقلات الإسرائيلية، وعلى رأسها معتقل «سديه تيمان»، معتبرًا أن ما يحدث هو محاولة لاستئصال الشعب الفلسطيني نفسيًا وجسديًا، ومؤكدًا أن العالم يواجه «عش دبابير» حقيقيًا، وأن أي ضغوط دولية، حتى الأمريكية منها، قد تُحدث تغييرات تكتيكية لكنها لا تمس جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إنهاء الوجود الفلسطيني.
وفي محور متصل، كشف عماد الدين حسين عن أبعاد اللقاء الاستراتيجي الذي جمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع «مارالاغو» بولاية فلوريدا، موضحًا أن ما يجري في غزة ولبنان وسوريا هو تنفيذ حرفي لمخطط «إعادة رسم الشرق الأوسط» الذي أعلن عنه نتنياهو صراحة عقب اغتيال حسن نصر الله.
وأشار إلى أن الاحتلال، الذي يسيطر حاليًا على نحو 58% من قطاع غزة، حاول صناعة قوى محلية بديلة لإدارة المناطق المحتلة عبر إحياء نموذج «روابط القرى»، مستشهدًا بمحاولة توظيف شخصيات محلية مثل ياسر أبو شباب، الذي قُتل لاحقًا في صراعات داخلية، مؤكدًا أن التاريخ يُظهر أن مصير العملاء دائمًا هو التخلي عنهم بعد انتهاء دورهم، كما حدث مع سعد حداد وأنطوان لحد في جنوب لبنان.
ولفت إلى أن إسرائيل، وللمرة الأولى منذ عام 1948، باتت تُعلن صراحة حلم «إسرائيل الكبرى»، مؤكدًا أن نتنياهو لم يعد يخفي طموحاته التوسعية التي تمتد – وفق الرؤية الصهيونية الدينية – من النيل إلى الفرات، وتشمل أجزاء من مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق، وهو ما يفسر، بحسب قوله، التوحش العسكري المتصاعد في غزة وجنوب لبنان والتوغلات في العمق السوري.
وحول الوضع الإنساني في غزة، شدد حسين على أن تجريم الأونروا ومنع دخول المساعدات، في مخالفة واضحة لاتفاقيات تنص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، يمثل «سلاحًا صامتًا للتهجير»، خاصة مع منع دخول الكرفانات ومعدات إزالة الركام، وترك السكان في مواجهة الأمطار والبرد القارس، في رسالة واحدة مفادها: «ارحلوا عن هذه الأرض».
واختتم الكاتب الصحفي تحليله بالتحذير من أن الكيان الإسرائيلي بلغ مرحلة غير مسبوقة من التجبر والتوحش، وصلت إلى اتهام الأمين العام للأمم المتحدة بمعاداة السامية، ورفض الانصياع لمحكمة العدل الدولية، معتبرًا أن ما تحقق لإسرائيل من إضعاف للمقاومة في فلسطين ولبنان، والمساهمة في تفكيك الدولة السورية، والضربات الموجهة للبرنامج النووي الإيراني، يصب في «سلة مكاسب» نتنياهو، ويدفع بالمنطقة بأكملها إلى حافة انفجار واسع النطاق.

