لم يكن أحد من العاملين في حقل القانون وحقوق الإنسان ينتظر معجزة، لكننا على الأقل كنا نرجو مناقشة جادة لقانون يمس حياة كل مواطن مصري.
قانون الإجراءات الجنائية ليس مجرد “تفاصيل تقنية” كما يحب البعض أن يصوّره، بل هو خريطة الطريق التي تحدد العلاقة بين الدولة والفرد عندما تصبح الحرية على المحك.
ومع ذلك، جاء المشروع الجديد وكأنه يكرر أخطاء الماضي، في لحظة كان يمكن أن تكون بداية عهد جديد للعدالة.
العدالة التي ضاعت بين الاستعجال والجمود
حين أعلنت حملة «نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية» رؤيتها، لم تفعل ذلك بدافع المعارضة أو المزايدة. هؤلاء الحقوقيون والمحامون والأكاديميون الذين اجتمعوا حول ورقة واحدة أرادوا ببساطة قانونًا يحمي كرامة المواطن، ويوازن بين الأمن والحرية.
لكن البرلمان قرر أن يسير في طريق آخر، فمرّر النصوص كما جاءت من الحكومة، متجاهلًا اعتراضات جوهرية أثارها المتخصصون.
وكأن المطلوب لم يكن قانونًا صالحًا، بل قانونًا جاهزًا بسرعة.
حين يصبح الاعتراض فرصة ضائعة
اعتراض رئيس الجمهورية على بعض المواد أعاد الأمل للحظة قصيرة، لكن البرلمان خنق هذا الأمل حين اختزل النقاش في المواد المعترض عليها فقط، متجاهلًا العيوب الأخرى التي تشوب بنية القانون كلها.
بدلًا من إصلاح شامل، اكتفى بتجميلٍ موضعي، ليخرج القانون محمّلًا بتناقضات دستورية ومنطقية، أقلها ما يتعلق بالحق في الدفاع والحبس الاحتياطي.
نصوص تفتح الباب للانتهاك
من أكثر ما يثير القلق، السماح باستجواب المتهم في غياب محامٍ «إذا خُشي فوات الوقت».
عبارة صغيرة لكنها كفيلة بهدم مبدأ دستوري كامل.
ثم تأتي المادة التي تجيز «إيداع المتهم» في مراكز احتجاز قبل استجوابه لتفتح بابًا خلفيًا للاعتقال المقنّع، دون ضوابط أو معايير واضحة.
هكذا يتحول القانون من أداة للعدالة إلى أداة للسيطرة، ومن مظلة للحريات إلى غطاء للانتهاكات.
لسنا ضد الدولة… بل مع دولة القانون
من السهل أن يُتهم من يعارض القانون بأنه ضد الدولة.
لكن الحقيقة أن منظمات المجتمع المدني ليست خصمًا، بل شريك يسعى لإصلاح الخلل قبل أن يتحول إلى مأساة.
القوانين التي تُصاغ في العجلة، وتُمرر في غياب الحوار، هي بذور لأزمات قادمة.
ما نطلبه ببساطة هو أن يُعاد النظر في هذا المشروع بهدوء، وأن يُحال إلى مجلس الشيوخ لمناقشة متأنية تعيد للتشريع توازنه المفقود.

