دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا مرحلة غير مسبوقة من التحول السياسي، بعد قرار الطرفين فتح صفحة جديدة تتجاوز سنوات الصراع والقطيعة. وجاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشارع إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض كعلامة فارقة، عززت هذا التقارب الاستراتيجي الذي يُتوقع أن يترك أثراً عميقاً على توازنات المنطقة وملفاتها الحساسة.
خلال قراءته لهذا التحول، قدّم الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية ضياء قدور، في حديثه لبرنامج “التاسعة” على قناة “سكاي نيوز عربية”، شرحاً موسعاً لطبيعة المرحلة الجديدة، مؤكداً أن تصريحات الطرفين—ومنها ما صدر عن المبعوث الأميركي توم براك—تعكس وضعاً سورياً مغايراً تماماً لما كان عليه في السابق.
أولوية محاربة داعش
استهل قدور حديثه بالتأكيد على أن الحكومة السورية الحالية تبنت منذ البداية سياسة واضحة في مكافحة تنظيم داعش، حتى قبل انضمامها الرسمي إلى التحالف الدولي.
وأوضح أن هذا السجل يثبت أن دمشق خاضت المعركة اعتماداً على قدراتها الذاتية، مستندة إلى بنية أمنية تعتبر محاربة التنظيمات المتطرفة ضرورة استراتيجية لا خياراً ظرفياً.
ويرى قدور أن هذا المسار يمهّد طبيعياً للمرحلة الراهنة من التعاون مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ما يجعل الشراكة الحالية امتداداً لمنهج سابق لا انقلاباً عليه.
القطيعة مع إيران: إعادة تعريف الأمن الوطني
وأشار قدور إلى أن أحد أبرز التحولات يتمثل في تراجع النفوذ الإيراني داخل سوريا، معتبراً أن الإدارة السورية الجديدة تسعى إلى “اقتلاع أي نشاط خارج سلطة الدولة”.
وقال: “لم يعد مقبولاً أن تتحول الجغرافيا السورية إلى ممر لتهريب الأسلحة أو البشر أو الأموال”.
وأكد أن ردع الأنشطة الإيرانية أدى بالفعل إلى تقلص نفوذ الميليشيات المرتبطة بطهران، موضحاً أن ما يجري ليس خطوة محدودة، بل تغيير بنيوي يندرج ضمن عملية أوسع لإعادة تعريف الأمن الوطني السوري، عبر تعزيز سيادة الدولة، وضبط الحدود، وتحصين القرار السياسي بعيداً عن الضغوط الإقليمية.
مكاسب متبادلة في الحرب على داعش
وأوضح قدور أن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد “داعش” يحقق فوائد مباشرة للطرفين. فالولايات المتحدة تستفيد من انخراط الدولة السورية في المعركة من دون تحمل الأعباء اللوجستية والمالية كاملة، قائلاً:
“هذا مكسب لواشنطن لأنه يسمح بمحاربة داعش بالتعامل المباشر مع الحكومة المركزية، وليس مع فصائل غير حكومية”.
في المقابل، ترى دمشق في هذا التعاون فرصة لإعادة تموضعها إقليمياً ودولياً، وتثبيت نفسها كدولة ذات سيادة تدير ملفاتها الأمنية بعيداً عن التجاذبات.
تحول تاريخي في المعادلة السورية
ويخلص قدور إلى أن المشهد الحالي يمثل تحولاً تاريخياً في المعادلة السورية، بعد سنوات من التعقيدات التي فرضتها القوى المتصارعة على الأرض، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستعيد رسم ملامح الدور السوري في المنطقة، في ظل توازنات جديدة تتشكل بين دمشق وواشنطن.

