شهدت العاصمة الأميركية واشنطن زيارة غير مسبوقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في أول لقاء رسمي له داخل البيت الأبيض خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب. زيارة وصفت بأنها محطة محورية في مسار العلاقات الثنائية، لما تخللها من اتفاقات استراتيجية وتفاهمات واسعة تمتد من الدفاع والطاقة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمارات.
ويعرض برنامج «تقرير واشنطن»، ثمرة التعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أبرز مخرجات الزيارة وتأثيرها المتوقع على مستقبل العلاقات بين البلدين والمنطقة.
شراكة ممتدة ورؤية جديدة
السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني وصف الزيارة بأنها «بالغة الأهمية»، ليس فقط من حيث مظاهر الاستقبال، بل لأنها تناولت ملفات جوهرية مثل التعاون الدفاعي، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، والتعليم، معتبرًا أن الاتفاقات التي أُبرمت تعزز مصالح البلدين وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون.
من جانبه، قال ديلانو روزفلت، حفيد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، إن «أهم مخرجات الزيارة هي الاستعداد لمواصلة الحوار»، مشيرًا إلى أن العلاقات السعودية – الأميركية باتت أقرب إلى «العلاقة العائلية» التي تتجاوز الأزمات وتستند إلى قاعدة مشتركة من المصالح.
اقتصاد مبتكر وشراكات أوسع
وفي السياق الاقتصادي، أكد ستيفن لوتز، نائب رئيس شؤون الشرق الأوسط في غرفة التجارة الأميركية، أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين تشكل «الركيزة الأساسية» للشراكة، لافتًا إلى أن إطلاق «رؤية السعودية 2030» يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاتفاقيات والفرص الاستثمارية، خصوصًا في الاقتصاد القائم على الابتكار.
ويشير خبراء إلى أن العلاقة التي كانت تعتمد سابقًا على النفط والدفاع أصبحت اليوم أكثر تنوعًا، مع دخول مجالات جديدة مثل التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية. ويعتبر راتني أن السعودية تمثل شريكًا جذابًا لشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، مثل «غوغل» و«مايكروسوفت»، نظرًا لتوافر الطاقة الرخيصة والمساحات الواسعة والقدرة الاستثمارية العالية.
كما لفت روزفلت إلى أن الاتفاقات الجديدة لا تخدم فقط الشركات الكبرى، بل تفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة الأميركية، إضافة إلى الفرص المتاحة بعد فتح السعودية مجال السياحة بالكامل.
البعد السياسي والأمني
لم تغب الملفات السياسية عن الزيارة، حيث رجّح راتني أن يكون الطرفان قد ناقشا مجموعة من القضايا الإقليمية، من بينها الحرب في غزة، العلاقة مع إسرائيل، الوضع في اليمن والسودان، والتهديدات الإيرانية، مؤكدًا وجود «رغبة واضحة» لدى السعودية في العمل مع واشنطن للحد من تأثير هذه الصراعات وتعزيز الاستقرار.
وأوضح السفير الأميركي السابق أن السودان كان من أبرز ملفات النقاش، مشيرًا إلى أن ولي العهد طلب من الرئيس ترمب التدخل للمساعدة في إنهاء الصراع، كما حدث سابقًا بشأن الملف السوري.
اتفاقات دفاعية غير مسبوقة
ومن أبرز ما أعلن خلال الزيارة تصنيف السعودية كـ «حليف رئيسي خارج الناتو»، وهي خطوة اعتبرها الخبراء ذات دلالة كبيرة على مستوى الشراكة الدفاعية بين البلدين. ويمنح هذا التصنيف السعودية أولوية في شراء المعدات الدفاعية المتقدمة والتعاون العسكري.
كما تضمن الإعلان نية الإدارة الأميركية بيع طائرات F-35 للمملكة، لتكون أول دولة عربية تحصل على هذا النوع من المقاتلات، وأول دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. واعتبر راتني أن هذه الخطوة تعكس «درجة الثقة» في العلاقة الثنائية.
لوتز أشار أيضًا إلى أن التعاون الدفاعي سيمهد لفرص اقتصادية جديدة، مستشهدًا بالانفتاح الذي شهدته سوريا بعد التحركات السعودية في السنوات الأخيرة، وما ترتب عليه من فرص تجارية واستثمارية للشركات الأميركية.
خلاصة الزيارة
يؤكد الخبراء أن زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض أرست مرحلة جديدة في العلاقات السعودية – الأميركية، أكثر عمقًا واتساعًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
فمن الدفاع والطاقة إلى التكنولوجيا والتعليم والسياحة، تبدو ملامح شراكة طويلة الأمد تتجه لرسم مستقبل جديد للمنطقة، يقوم على التعاون، والابتكار، وتوازن المصالح بين الطرفين.

