شهد دير سانت كاترين التاريخي في جنوب سيناء أزمة جديدة تُلقي بظلالها على العلاقات الكنسية المصرية-اليونانية، وسط تصاعد الصراع الداخلي بين رهبان الدير ورئيس الأساقفة المطران داميانوس، الذي اتخذ خطوة تصعيدية بطرد عدد من الرهبان ووصفهم بـ”المنشقين”، في ظل توتر سياسي وقانوني حول وضع الدير وأراضيه.
وبحسب صحيفة كاثيميريني اليونانية، فقد أقدم المطران داميانوس، رئيس أساقفة سيناء ورئيس دير سانت كاترين، على إغلاق أبواب الدير وبقائه داخله مع مؤيديه، عقب طرد مجموعة من الرهبان المعارضين لقيادته، الذين رفضوا المغادرة وحاولوا مرارًا العودة منذ ذلك الحين. وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات تمثل “ذروة صراع طويل حول القيادة والخلافة داخل الدير”.
وقالت الصحيفة إن داميانوس برّر تحركه بأنه جاء ردًا على “جمعية غير شرعية” عقدها الرهبان المعارضون بهدف تعديل لوائح الدير دون مشاركته، رغم أن القوانين الكنسية تشترط رئاسة رئيس الأساقفة لهذه الإجراءات. وأضاف أنه “سعى للحوار” قبل أن يقرر فرض السيطرة على الدير.
وتؤكد الصحيفة أن أثينا تتابع الموقف عن كثب، وترى في الأزمة الحالية فرصة لإعادة التفاوض مع القاهرة بشأن الوضع القانوني للدير. ويُعد المطران داميانوس، الحاصل على الجنسية المصرية، الطرف الوحيد المخوَّل توقيع أي اتفاق رسمي بين البلدين. وفي حال تغييره، سيضطر خلفه لاستخراج الجنسية أولًا، ما قد يغير شروط التفاوض.
أزمة قانونية وسياسية متصاعدة
تأتي هذه التطورات في وقت حساس، إذ يشهد دير سانت كاترين – أقدم دير مسيحي مأهول في العالم والمدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو – خلافات قضائية مع الدولة المصرية حول ملكية أراضيه التاريخية. ففي مايو/أيار الماضي، أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية حكمًا قضى بأحقية الرهبان في الانتفاع بالأراضي التي يستغلونها مع تأكيد ملكية الدولة لها باعتبارها “أملاكًا عامة”، وأشارت إلى أن بعض الأراضي محل النزاع تدخل ضمن نطاق المحميات الطبيعية، وهو ما يمنع تملكها أو التصرف فيها.
الحكم أثار انتقادات شديدة من الكنيسة اليونانية، حيث وصف رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان، إيرونيموس الثاني، القرار بأنه “إلغاء لأي مفهوم للقانون” و”اعتداء مباشر على ممتلكات الكنيسة”، محذرًا من محاولات مصادرة أراضي الدير.
وردت رئاسة الجمهورية المصرية ببيان رسمي أكدت فيه “التزام مصر الكامل بالحفاظ على المكانة الدينية الفريدة لدير سانت كاترين وعدم المساس بها”، مشيرة إلى أن الحكم “يعكس ترسيخًا قانونيًا لهذه المكانة الخاصة”.
خلفيات تاريخية
يُعتبر دير سانت كاترين أحد أهم المعالم المسيحية في العالم، حيث يعود تاريخه إلى القرن السادس الميلادي ويُدار تقليديًا من قبل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، ويتمتع بوضع خاص في القانون المصري. ويشكل الدير نقطة التقاء بين المسيحية والإسلام، إذ يضم مسجدًا تاريخيًا يعود إلى العصر الفاطمي، ويُعد مقصدًا دينيًا وسياحيًا عالميًا.
غير أن الأزمة الراهنة تكشف عن توترات أعمق بين الكنيسة الأرثوذكسية والحكومة المصرية، إذ يرى مراقبون أن النزاع حول قيادة الدير قد يكون جزءًا من ترتيبات أوسع لإعادة صياغة وضعه القانوني والسيطرة على أراضيه، خاصة مع تصاعد مشاريع التنمية والسياحة في جنوب سيناء.

