تجدد الجدل حول قضايا التمييز الديني والعدالة العرفية في صعيد مصر، بعد أن شهدت قرية نزلة جلف التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، جلسة تحكيم عرفية أصدرت قرارًا بتهجير أسرة مسيحية من القرية وتغريمها مليون جنيه مصري، على خلفية اتهام أحد أفرادها بمحاولة خطف فتاة مسلمة.
القضية التي بدأت بشائعة على مواقع التواصل، تحولت سريعًا إلى أحداث طائفية ومواجهات في القرية، ثم إلى حكم عرفي مثير للجدل اعتبره مراقبون “عودة إلى الوراء في ملف المواطنة وسيادة القانون”.
الشرارة الأولى: شائعة تشعل قرية ريفية
بدأت القصة، وفق روايات الأهالي وتقارير صحفية، حين أغمي على فتاة مسلمة داخل محل تجاري بملكية أسرة مسيحية.
أحد الشبان المسيحيين – نجل صاحب المحل – نقل الفتاة إلى منزله في محاولة لمساعدتها، بحسب أسرته.
لكن انتشار شائعة على وسائل التواصل زعمت أن الشاب “اختطف الفتاة”، أشعل الغضب في القرية، لتندلع على إثرها اعتداءات طائفية طالت منازل وممتلكات أقباط.
مقاطع فيديو نُشرت على الإنترنت أظهرت رشقًا بالحجارة، وتحطيم نوافذ، وإشعال النيران في ممتلكات تابعة لأسر مسيحية.
سكان محليون أكدوا أن قوات الأمن تدخلت لاحقًا للسيطرة على الموقف، لكن أجواء التوتر ظلت مسيطرة على القرية طوال أيام.
الجلسة العرفية: تهجير وغرامة بالمليون
في محاولة لاحتواء الموقف، دعا وجهاء القرية وعدد من كبار العائلات إلى جلسة تحكيم عرفية عُقدت يوم الجمعة الماضي بحضور محكمين من الجانبين ومسؤولين محليين.
وانتهت الجلسة إلى قرارات غير مسبوقة:
- تهجير الشاب المسيحي فورًا من القرية.
- منح أسرته مهلة تصل إلى خمس سنوات لمغادرة القرية نهائيًا.
- تغريم الأسرة مليون جنيه مصري تدفع للطرف الآخر كتعويض رمزي.
- توقيع شرط جزائي بقيمة مليوني جنيه في حال إخلال أي طرف ببنود الصلح.
قال محمد الشاروني، أحد أعضاء لجنة التحكيم العرفي، إن الهدف من القرار هو “درء الفتنة وحماية السلم المجتمعي”، مؤكدًا أن “القرية لا تحتمل فتنة جديدة، والأعراف هنا تُقدَّم على الغضب”.
وأضاف أن الغرامة بدأت بـ400 ألف جنيه ثم ارتفعت إلى مليون ونصف قبل أن تُخفض إلى مليون “كرامةً لجد الشاب الذي اعترف بخطأ حفيده”.
أصوات معترضة: “العدالة لا تُقام بالعُرف”
القرار أثار غضبًا واسعًا بين الحقوقيين والسياسيين، الذين اعتبروا أن الجلسة العرفية تمثل تعديًا على صلاحيات الدولة وخرقًا لحقوق المواطنة.
قال إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، إن ما جرى “يكشف عن استمرار اعتماد القرى على حلول عرفية تتجاهل القانون والدستور”.
وأضاف:
“إذا كان التحقيق الرسمي سيستمر، فلماذا يُهجّر الشاب وتُغرم أسرته مليون جنيه؟ وإذا كانت الأسرة لم ترتكب جريمة، فلماذا تُعاقب جماعيًا؟ هذا إهدار للعدالة.”
وأكد أن تقرير الطب الشرعي أظهر أن الفتاة “عذراء ولم تتعرض لأي اعتداء”، ما ينفي أساس التهمة التي بني عليها الغضب الشعبي.
من جانبها، طالبت النائبة السابقة مها عبد الناصر بفتح تحقيق رسمي عاجل في الواقعة، محذرة من أن “اللجوء إلى جلسات عرفية في القضايا الطائفية يكرّس الإفلات من العقاب ويهدد ثقة المواطنين في الدولة”.
كما دعت إلى الإسراع في تفعيل مفوضية مكافحة التمييز المنصوص عليها في الدستور، لضمان حماية المواطنين بغض النظر عن الدين أو المعتقد.
خلفيات متكررة في المنيا
تُعد محافظة المنيا من أكثر المحافظات المصرية تعرضًا لتوترات طائفية خلال العقدين الأخيرين، وفق تقارير حقوقية.
فمنذ عام 2013 وحتى 2017، رصدت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” نحو 49 حادثة عنف طائفي ضد المسيحيين في المحافظة، أغلبها بسبب شائعات علاقات عاطفية أو بناء كنائس.
وتُظهر هذه الحوادث نمطًا متكررًا: تبدأ بشائعة، ثم تتصاعد إلى اعتداءات جماعية، وتنتهي غالبًا بجلسة عرفية “تسوّي” الأزمة بعيدًا عن القضاء، مع تهجير أو تعويضات رمزية دون محاسبة فعلية للمتورطين في العنف.
وجوه القرية بين الخوف والسكوت
شهود عيان قالوا لـموقع “المنصة” إن الأسرة المسيحية غادرت القرية قبل عقد الجلسة بيوم واحد بعد تهديدات متكررة.
وأكد أحد الجيران أن “الموافقة على الصلح لم تكن حقيقية، بل خوفًا من تجدد الاعتداءات”.
في المقابل، عبّر عدد من سكان القرية المسلمين عن ارتياحهم لما وصفوه بـ“عودة الهدوء” بعد تنفيذ الحكم العرفي، معتبرين أن القرار “أنقذ القرية من فتنة كادت تشتعل أكثر”.
لكن آخرين تساءلوا عن عدالة العقوبة، قائلين: “كيف تُغرم أسرة كاملة وتُهجّر لمجرد شائعة؟ إذا كان الشاب أخطأ، فليُحاسب بالقانون، لا بالعُرف.”
ما بين القانون والعرف
تسلّط هذه الواقعة الضوء على صراع قديم في صعيد مصر بين سلطة القانون الرسمي وسلطة العرف الاجتماعي.
فبينما يرى البعض في الجلسات العرفية وسيلة لحل النزاعات وتهدئة الأوضاع، يعتبرها الحقوقيون “بابًا لتكريس الظلم”، خصوصًا في القضايا ذات البعد الطائفي أو الديني.
يقول أحد المحامين في المنيا إن “التحكيم العرفي أصبح بديلاً غير رسمي للعدالة”، مضيفًا أن “الأجهزة التنفيذية تتسامح معه في القرى، رغم أن قراراته لا تستند إلى أي نص قانوني”.
ختام: سؤال مفتوح حول العدالة
القصة لا تنتهي عند حدود قرية صغيرة في صعيد مصر، بل تفتح مجددًا ملفًا كبيرًا عن المواطنة المتساوية، وحق الجميع في محاكمة عادلة، ودور الدولة في حماية السلم الأهلي.
فالتهجير والغرامة ربما يطفئان نار الغضب مؤقتًا، لكنه يترك جرحًا أعمق في وجدان مجتمعٍ يسعى لأن يعيش متساويًا أمام القانون.
هل يمكن للسلام الأهلي أن يقوم على الظلم؟
وهل يمكن للعرف أن يكون بديلاً عن العدالة؟
أسئلة تظل عالقة في أذهان كثيرين بعد حادثة المنيا الجديدة.

