في السنوات الأخيرة، بلغ دور الجيش المصري في الاقتصاد مستوى يُثير اهتمامًا متزايدًا من مؤسسات دولية ومحلية على السواء. فرغم الإعلانات المتكرّرة بأن «الجيش سيخرج من الاقتصاد»، فإن الواقع يشير إلى استمرار هيمنة قوية لشركات تابعة للقوات المسلحة في عدد من القطاعات الاقتصادية المدنية، الأمر الذي يُلقي بظلاله على بيئة الأعمال، الاستثمار الخاص، وحقوق المنافسة.
حجم النفوذ والمجالات التي يعمل فيها الجيش
-
وفق تقرير الـ صندوق النقد الدولي (IMF) الصادر في يوليو 2025، تُقدّر الشركات المملوكة للجيش بأنها تملك حصة تصل إلى 36% من بعض الأسواق المدنية مثل الرخام، والجرانيت، والاسمنت، والصلب.
-
التقرير ذاته يشير إلى أن هناك 97 شركة مملوكة للجيش، منها 73 شركة في القطاع الصناعي فقط.
-
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها لـ 2024 لاحظت أن «الشركات التابعة للدولة تهيمن على قطاعات الشبكات والمرافق وتنافس الشركات الخاصة».
أبرز الآثار السلبية على الاقتصاد والمواطن
-
تزاحم الاستثمار الخاص
– النموذج الاقتصادي المصري يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العام والكيانات المملوكة للدولة أو للجيش، ما حدّ من دور القطاع الخاص كمحرك للنمو. تقرير الـ IMF يشير إلى أن هذا النموذج «يقيد فرص خلق وظائف حقيقية للقطاع الخاص».
– الاستثمار الخاص في مصر ظل منخفضًا مقارنة بمعايير الدول الأخرى؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الاستثمار الخاص كانت حول 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في العقد الأخير، وهي نسبة تُعد ضعيفة. -
عدم تكافؤ بيئة المنافسة
– الشركات التابعة للجيش تستفيد من امتيازات تشمل إعفاءات ضريبية، أراضٍ مميزة، وتسهيلات غير متاحة للجميع. تقرير IMF يقول إن هذه «الامتيازات قد تُثني المستثمرين الخاصين عن الدخول في المنافسة».
– عدم الشفافية: التقرير يقول إن الشركات المملوكة للدولة/الجيش «تتمتع بمحدودية شفافية كبيرة فيما يخص أوضاعها المالية». -
تأثيرات على المواطن العادي
– بسبب ضعف المنافسة، تتأثر الأسعار وظروف العمل. إذ إن استحواذ كيانات ذات ميزات يضعف الضغط لخفض التكاليف وتحسين الخدمات.
– كما أن اعتماد الدولة الكبير على المشروعات العملاقة والكيانات العامة/الجيش قلّل من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف كافية—ما يعني أن تأثير النمو غالبًا لم يصل بطريقة متوازنة لجميع شرائح المجتمع.
وعود الإصلاح: ماذا حصل حتى الآن؟
-
في يناير 2023، أعلنت الحكومة المصرية بالتعاون مع IMF أنها ستُدخل الشركات المملوكة للجيش ضمن إطار موحّد وتُقلّص دورها الاقتصادي.
-
في أبريل 2025 أعلنت مصر عن خطة لطرح حصص في شركات مملوكة للجيش عبر الصندوق السيادي، تشمل 11 شركة عامّة منها شركتان عسكريتان.
-
لكن تقرير IMF لشهر يوليو 2025 وقتها قال إن «التقدّم كان متباينًا» وإن هيمنة الكيانات العامة والجيش ما زالت تمثل تحديًا جوهريًا.
ما الذي يجب عمله – توصيات قابلة للتنفيذ
-
إلزام جميع الشركات المملوكة للجيش/الدولة بنشر قوائم مالية مُراجعة مستقلاً، ما يعزّز الشفافية والمساءلة.
-
فتح المناقصات الحكومية والخدمية للمنافسة الكاملة، باستثناء المجالات الدفاعية الحسّاسة.
-
طرح حصص أغلبية في الشركات المدنية التابعة للجيش داخل جدول زمني واضح، مع المستثمر الخاص والطرح العام.
-
مراجعة الحوافز الضريبية والجمركية بحيث تكون محايدة لجميع الشركات، وليس فقط للجهات التابعة للجيش.
-
توجيه جزء من وفورات الخروج/الطرح إلى دعم برامج التشغيل في المحافظات الفقيرة، وتحسين الخدمات أو تخفيض تكلفة المعيشة للمواطن البسيط.
هيمنة القطاع الاقتصادي التابع للجيش المصري على عدد من القطاعات المدنية، والمزايا التي يتمتع بها، تُشكّل أحد أبرز الحواجز أمام نمو القطاع الخاص، وتخلق بيئة أقل شفافية وأقل تنافسًا. بينما وُعدت الدولة مرارًا بخروج اقتصادي أو تقليص الدور، يبدو أن التنفيذ ما زال بطيئًا وبعيدًا عن الطموحات المُعلنة. ولتحقيق تأثير ملموس على الاقتصاد والمواطن، يجب تحويل هذه الوعود إلى إصلاحات محددة ومرئية، تُشعر المواطن في حياته اليومية.
المصادر
-
IMF Staff Report “Arab Republic of Egypt: 2025 Article IV Consultation, Fourth Review…” يوليو 2025. IMF
-
“IMF says Egypt makes mixed reform progress, cites state dominance of economy” – Reuters، 16 يوليو 2025. Reuters
-
OECD Economic Surveys: Egypt 2024؛ “Improving Egypt’s business climate to revive private-sector growth” يوليو 2024. OECD+1
-
Carnegie Endowment “Aiding and Abetting Egypt’s Behavior” يناير 2025. Carnegie Endowment
-
MadaMasr “IMF presses Egypt on privatization, state lending” يوليو 2025. Mada Masr

