حذّرت سماح عبد الفتاح، الاستشارية الأسرية، من التأثيرات النفسية السلبية للخلافات الزوجية المتكررة على الأطفال، مؤكدة أن الطفل عندما يشاهد داخل المنزل شدًا مستمرًا أو خصامًا أو أصواتًا مرتفعة، ينشأ وهو يشعر بالخوف وعدم الأمان، وهو ما ينعكس على سلوكه واستقراره النفسي ويُضعف فعالية أي أساليب تربوية تُستخدم معه.
وقالت عبد الفتاح إن الطفل في هذه الأجواء لا يشعر فقط باهتزاز الأمان، بل يتحول تدريجيًا إلى طفل غاضب ومضطرب، لأنه يعيش في بيئة غير مستقرة نفسيًا وعاطفيًا، ويشعر أن الأب والأم غير منتبهين لحجم الأثر الذي يتركه الخلاف عليه، موضحة أن الطفل يتوقع بيتًا يمنحه الحماية والدفء، لا أن يصبح مصدر توتر دائم.
وخلال حلقة برنامج “الرحلة” المذاع على قناة الناس، اليوم الخميس، أكدت الاستشارية الأسرية أن الحديث عن التفاهم بين الزوجين يبدو سهلًا من الناحية النظرية، لكن تطبيقه يحتاج إلى جهد حقيقي، لأن كل طرف يأتي من خلفية مختلفة وتجارب وقيم قد لا تتطابق، وهو ما يجعل اختلاف وجهات النظر أمرًا طبيعيًا، بينما تتحول المشكلة الحقيقية عندما يصبح الخلاف وسيلة يستخدمها كل طرف ضد الآخر.
وسردت عبد الفتاح موقفًا من إحدى الجلسات الاستشارية لزوجين متزوجين منذ 7 سنوات، حيث كان الزوج يميل إلى الانضباط الشديد والنظام، بينما كانت الزوجة أكثر حساسية وعاطفية، ومع تكرار أخطاء الطفل كان الأب يعاقبه بقسوة، فتتدخل الأم بدافع التعاطف، لتبدأ مواجهة بين الزوجين أمام الطفل، لينتهي المشهد بطفل يبكي ويشعر بالحيرة ولا يعرف أي الطرفين يستمع إليه أو أيهما على صواب.
وأوضحت أنها نصحت الزوجين بأن يظل اختلافهما بعيدًا عن الطفل، وأن يظهرا أمامه كفريق واحد دون اعتراض أو نقد متبادل في لحظة التربية، على أن يتم النقاش بينهما لاحقًا بهدوء بعيدًا عن أعين وآذان الأبناء، لأن الطفل يحتاج إلى رؤية أبوين متفاهمين حتى يشعر بالأمان ويستوعب حدود التربية دون ارتباك.
وأضافت أن الزوجين التزما بالنصيحة وقررا عقد جلسة أسبوعية قصيرة لمراجعة ما يحدث داخل المنزل، وما الذي أزعج كل طرف وما الذي أعجبه، وبعد 3 أشهر لاحظا تغيرًا واضحًا على الطفل، حيث أصبح أكثر هدوءًا وتراجعت نوبات البكاء والعصبية بشكل ملحوظ، مؤكدة أن هذا التحسن يرتبط مباشرة بإحساس الطفل أن الأب والأم يعملان بروح واحدة لا في مواجهة مستمرة.
وتابعت الاستشارية الأسرية أن الأطفال حين يرون والديهم متعاونين في حل الخلافات، يكتسبون مهارات أفضل في التعامل مع المشكلات، لأن كل موقف يختار فيه الأب والأم التفاهم بدل الصراخ يمنح الطفل نموذجًا حيًا عن كيفية إدارة الاختلاف بطريقة صحية.
كما شددت عبد الفتاح على أن نجاح التربية لا يرتبط بكثرة النصائح، بل بثبات السلوك داخل البيت، موضحة أن التربية ليست منافسة بين طرفين ولا معركة لإثبات من كلمته تمشي، لكنها رحلة مشتركة تحتاج إلى شراكة حقيقية وصبر ووعي، وكلما حافظ الأب والأم على صورة الفريق الواحد أمام الأبناء، زادت فرص الاستقرار داخل الأسرة.
وقدمت الاستشارية الأسرية مجموعة من القواعد التي تساعد على نقاش صحي داخل البيت، أبرزها تحديد موضوع الخلاف وعدم تشتيت الحوار إلى قضايا جانبية، والتوقف فورًا إذا ارتفعت حدة الانفعال، والالتزام بالاحترام في الحديث، والاستماع للفهم وليس للرد، مع ضرورة إبقاء الخلافات بعيدًا عن الأطفال وعدم نقلها للآخرين حتى لا تتضخم وتدخل أطراف تزيد الوضع تعقيدًا.
واختتمت عبد الفتاح بالتأكيد على أهمية إظهار مشاعر الود والرحمة والتعاطف بين الزوجين أمام الأبناء، لأن الطفل يتعلم بالتقليد أكثر مما يتعلم بالكلام، وما يراه داخل بيته يصبح أساس شخصيته لاحقًا، فإذا نشأ في بيئة قائمة على الاحترام والتفاهم، نشأ أكثر قدرة على الحوار والهدوء والاستقرار النفسي والاجتماعي.

