بقلم/ احمد سميح
تتمثل إحدى أعمق مشكلات مصر في تدخّل الدولة الواسع في كل تفاصيل الحياة تقريباً. فلو استطاعت الدولة أن تُقرّر ما يجب أن يأكله كل مواطن على الإفطار، لوضعته في الخطة القومية وشكّلت لجاناً لمتابعته.
ولا يرتبط هذا التدخل بطبيعة النظام السياسي — سواء كان سلطوياً أو ديمقراطياً — ولا بالتوجّه الاقتصادي — ليبرالياً كان أو اشتراكياً. بل يعود إلى كيفية إدراك دولة عمرها 7 آلاف عام لدورها في المجتمع مقابل كيف يرى المجتمع نفسه وحدود تدخل الدولة في شؤونه.
وفي هذا السياق، كثيراً ما تتجاوز الدولة على الحقوق العامة والشخصية، وتمتد أحياناً إلى الملكية الخاصة، وهو ما يتعارض مع دستور 2014 (المعدل 2019) الذي يكفل حماية الملكية الخاصة والحريات الشخصية.
حملة أمنية على «مشاهير تيك توك»
في الشهور الأخيرة، شنّت الأجهزة الأمنية المصرية حملة اعتقالات واسعة استهدفت مؤثّري «تيك توك» الذين يحققون مئات الملايين من المشاهدات. وجرى تقديم هؤلاء في صور رسمية لوزارة الداخلية على أنهم «مجرمون» ينتظرون العدالة بتهمة «الإساءة لقيم الأسرة المصرية» — وهي تهمة فضفاضة تعكس رغبة الدولة في السيطرة على الثقافة المجتمعية في بلد يشكّل الشباب 65% من سكانه.
محاكمة «سوزي الأردنية»
مثّلت محاكمة مؤثرة «تيك توك» سوزي الأردنية (19 عاماً)، التي جرت الثلاثاء الماضي، نقطة تحوّل في الرأي العام.
إذ قال ممثل النيابة إن الفتاة «أهملت دراستها وسعت لاكتساب شهرة زائفة ومكاسب مالية»، وطالب بعقوبة مشددة لأنها — بحسب قوله — تؤثر في ملايين الشباب المصريين.
يمثل هذا الخليط من السلطوية، والتديّن السطحي، وغياب الرؤية المستقبلية، أكبر نقاط ضعف نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.
إنه نموذج لا يتوافق مع جيل زد؛ جيل يحلم بقدر أكبر من الحرية تحت دولة تُحكم قبضتها. هذا التناقض سيظل يجعل الاستقرار الاجتماعي في مصر هشًّا كزجاج قابل للكسر في أي لحظة.
ملاذان هشّان للحرية
ورغم الهيمنة الشاملة للدولة، هناك حالتان استثنائيتان في مصر استطاع المجتمع فيهما أن ينظم نفسه ويعبّر عن حريته بعيداً عن التدخل المستمر للدولة في السلوك الاجتماعي والأخلاقي.
هذه المساحات الحرّة لم تنشأ عبر مواجهة للدولة أو ثورة عليها، بل عبر مبادرات فردية، وقوة المجتمع المحلي، ورأس المال، والسياحة.
الجونة
مشروع سياحي أسّسه رجل الأعمال سميح ساويرس عام 1990 على مجموعة جزر في البحر الأحمر، على بُعد نحو نصف ساعة من مطار الغردقة.
تطوّرت الجونة تدريجياً إلى واحة مصرية بطابع أوروبي، شتاؤها معتدل وصيفها دافئ.
هذا المناخ المنفتح أطلق مهرجان الجونة السينمائي عام 2017، الذي أصبح منصة لصناعة السينما المصرية والدولية.
كما أوجد حياة اجتماعية حرة ومسالمة جعلت الكثيرين يحلمون بالعيش هناك رغم ارتفاع تكاليف الحياة.
دهب
دهب في جنوب سيناء، تبعد نحو 100 كيلومتر عن شرم الشيخ. كانت بلدة بدوية صغيرة لصيادين ورعاة. لكن بعد استعادة سيناء بالكامل عقب اتفاقية كامب ديفيد، جذبت دهب مصريين من محافظات مختلفة وأجانب من دول متعددة، ليصل عدد سكانها اليوم إلى نحو 15 ألف نسمة.
تحوّلت إلى مجتمع عالمي الروح يعتمد على السياحة الدولية، وأصبحت مركزاً لـ مهرجانات موسيقية غير تجارية قلّما تغطّيها وسائل الإعلام، مثل مهرجان Chill Oposite.
تسود ثقافة تحترم الحرية الشخصية، وحماية البيئة، والمبادرات الرياضية.
ماذا تريد الدولة من هذه المساحات؟
تتعامل الدولة المصرية مع الجونة ودهب بمنطق بسيط:
حرية محدودة… مقابل مكاسب اقتصادية من السياحة.
طالما أن المجتمعات هناك تدر الأموال، وتنعش الاقتصاد، وتجذب الزوار — فإن الدولة تسمح بمساحة تنفّس اجتماعي لمن يستطيع تحمّل تكاليفها من المصريين والأجانب.
نقلا عن تركيا اليوم

