أوضحت الدكتورة هبة عاطف، أستاذ الإعلام المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن ما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمى الشائعات يُعد في الواقع جزءًا من منظومة أوسع تُعرف بـ المعلومات المغلوطة، وهي مظلة كبيرة تضم عدة أشكال من المحتوى غير الدقيق مثل الشائعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة.
وأشارت إلى أن المعلومات المضللة قد تكون أحيانًا معلومات خاطئة يتم نشرها بشكل متعمد لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية، مؤكدة أن الخطورة الحقيقية تكمن في تداخل هذه الأنواع المختلفة من المعلومات المغلوطة، بحيث يمكن أن تتحول الشائعة بسهولة إلى خبر كاذب ثم إلى معلومة يصدقها الجمهور، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها نحو 52 مليون مواطن مصري.
وخلال حديثها في برنامج “رؤية” المذاع على قناة الناس، أوضحت أن الخبر الكاذب قد يبدأ في صورة شائعة بسيطة، لكنه مع إعادة تداوله مئات المرات يتحول في نظر البعض إلى حقيقة مؤكدة، لافتة إلى أن الظاهرة لم تعد مجرد أحاديث عابرة يتداولها الناس، بل أصبحت قضية معقدة تؤثر بشكل مباشر في وعي المجتمعات وأمنها واستقرارها.
وأضافت أن استخدام المعلومات المغلوطة ليس أمرًا جديدًا في التاريخ، إذ استُخدمت في الدعاية السياسية والحروب النفسية منذ زمن بعيد، إلا أن الفارق اليوم يكمن في وجود منصات التواصل الاجتماعي التي منحت هذه المعلومات قدرة هائلة على الانتشار السريع وبتكلفة شبه معدومة، كما جعلت كل مستخدم قادرًا على نشر المعلومات دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية المهنية التي كانت تقوم بدور التدقيق والتحرير.
وأشارت إلى أن انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 تُعد من أبرز الأمثلة التي كشفت تأثير المعلومات المغلوطة، حيث صرّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعد فوزه في مقابلة مع قناة “سي بي إس نيوز” بأن امتلاكه حسابات على منصات التواصل الاجتماعي كان عاملًا رئيسيًا في نجاحه. كما أظهرت الدراسات أن تلك المنصات ساهمت في تعزيز الاستقطاب السياسي والتأثير في توجهات الرأي العام، خاصة مع اعتماد نسبة كبيرة من المواطنين على وسائل التواصل كمصدر رئيسي للأخبار.
ولفتت إلى أن جائحة كورونا في عام 2020 كشفت جانبًا أكثر خطورة لهذه الظاهرة، حيث انتشرت معلومات صحية خاطئة حول الوقاية والعلاج، ما أدى إلى حالات وفاة نتيجة الاعتماد على معلومات غير دقيقة، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى وصف الظاهرة بأنها “وباء معلوماتي”، إذ أصبحت المعلومات المغلوطة تنتشر أحيانًا أسرع من الفيروس نفسه.
وأوضحت أن كثيرًا من الأفراد يعيدون نشر المعلومات المغلوطة ليس بالضرورة لأنهم يعتقدون بصحتها، بل لأنها تتوافق مع قناعاتهم المسبقة أو توجهاتهم السياسية والاجتماعية، مضيفة أن بعض المستخدمين يفعلون ذلك بدافع التأثير أو جذب الانتباه، بينما يعود الأمر في أحيان أخرى إلى ضعف التفكير النقدي أو عدم معرفة طرق التحقق من صحة المعلومات.
وأكدت أن المستخدمين يمتلكون اليوم أدوات عديدة للتحقق من الأخبار والصور والفيديوهات على الإنترنت، مثل أدوات البحث العكسي للصور عبر جوجل أو موقع تين آي، إضافة إلى أدوات التحقق من الفيديوهات مثل إنفيد، ومنصات التحقق من الأخبار مثل فاكت تشيك إكسبلورر، إلا أن توفر هذه الأدوات وحده لا يكفي ما لم يتوافر الوعي والرغبة في استخدامها.
وشددت على أن مواجهة المعلومات المغلوطة لا يمكن أن تعتمد فقط على الحذف أو العقوبات، لأن فلسفة مواقع التواصل الاجتماعي تقوم أساسًا على حرية التعبير، مؤكدة أن الحل الحقيقي يتمثل في بناء مواطن رقمي واعٍ يدرك أن حرية التعبير تقابلها مسؤولية فيما ينشره أو يشاركه.
كما دعت إلى تعزيز التربية الإعلامية والثقافة المعلوماتية داخل المجتمع من خلال التعليم والإعلام وبرامج التوعية، بحيث يتعلم المواطن طرح أسئلة أساسية قبل تصديق أي خبر، مثل: من مصدر هذه المعلومة؟ ولماذا نُشرت؟ وهل تم التحقق منها؟
وأكدت أن المعركة مع المعلومات المغلوطة هي في الأساس معركة وعي، فكلما ارتفع مستوى وعي المجتمع تراجعت قدرة الأخبار الكاذبة على التأثير فيه، وأصبح كل فرد شريكًا في حماية المجتمع من التضليل.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الإسلام دعا إلى التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات، مستشهدة بقول الله تعالى:
“يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”، موضحة أن نشر الشائعة لا يقتصر على الكلام فقط، بل يشمل أيضًا ما يكتبه الإنسان أو يشاركه أو حتى يتفاعل معه عبر منصات التواصل، لأن كل ذلك يسهم في انتشار الخبر وتأثيره في المجتمع.

