أكد المستشار بهاء أبو شقة، الفقيه الدستوري ووكيل مجلس الشيوخ السابق، أن الحكم الصادر بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023 بشأن إلغاء الجداول الملحقة بقانون المخدرات واستبدالها بجداول جديدة، يمثل محطة قانونية فارقة تعيد الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات، وتضع حدًا لما وصفه بتغول السلطة التنفيذية على اختصاص البرلمان التشريعي.
وخلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ في برنامج «كل الكلام» على قناة «الشمس»، أوضح أبو شقة أن الأزمة بدأت بسبب تفسير خاطئ للتفويض التشريعي الوارد في المادة 32 من القانون رقم 182 لسنة 1960 بشأن مكافحة المخدرات، حيث اعتقدت هيئة الدواء أن من حقها تعديل الجداول، فأصدرت قرارًا استبدلت بموجبه الجداول القائمة بأخرى جديدة، نقلت فيها بعض المواد من جداول العقوبات المخففة إلى «الجدول رقم 1» الذي تصل عقوباته إلى السجن المؤبد والإعدام.
واقعة عملية قلبت المشهد
وكشف أبو شقة عن واقعة عملية كانت أحد أسباب إثارة الجدل، حيث أصدرت إحدى محاكم الجنايات حكمًا بالسجن 3 سنوات في قضية مخدرات، قبل أن تستأنف النيابة مطالبة بتطبيق العقوبات المغلظة وفقًا للجداول الجديدة، ما أدى إلى صدور حكم بالسجن المؤبد استنادًا إلى القرار الذي تم الطعن عليه لاحقًا بعدم الدستورية.
وأوضح أن المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا تنص على أن الحكم بعدم الدستورية يترتب عليه اعتبار النص أو القرار «كأن لم يكن» منذ صدوره، وهو ما يعني العودة إلى الجداول الأصلية الملحقة بالقانون 182 لسنة 1960، وإلغاء كافة التصنيفات التي استحدثها القرار 600.
تطبيق القانون الأصلح للمتهم
وأشار أبو شقة إلى أن محاكم الجنايات والاستئناف والنقض باتت ملزمة بتطبيق الجداول القديمة باعتبارها الأصلح للمتهم، وذلك في جميع القضايا التي لم يصدر فيها حكم بات.
إلا أنه نبه إلى أن الإشكالية الكبرى تتعلق بالأحكام النهائية التي تم تنفيذها بالفعل استنادًا إلى القرار الملغى، خاصة تلك التي انتهت إلى السجن المؤبد، مؤكدًا أن هذه الحالة تفرض ضرورة البحث عن حلول قانونية استثنائية لضمان عدم الإضرار بالمحكوم عليهم.
خارطة طريق لمعالجة الأزمة
وطرح أبو شقة رؤية متكاملة لمعالجة الآثار المترتبة على الحكم، تتضمن تدخلًا تشريعيًا عاجلًا من البرلمان لمراجعة المادة 32 من قانون المخدرات وضبط حدود التفويض الممنوح لوزير الصحة أو هيئة الدواء بما يتفق مع أحكام الدستور.
كما دعا إلى إتاحة التماس إعادة النظر وتقديم طلبات أمام محكمة النقض لتصحيح الأحكام التي شابها خطأ في تطبيق القانون، إلى جانب إصدار قرار من النائب العام بوقف تنفيذ الأحكام التي بُنيت على الجداول الملغاة لحين إعادة فحصها، تطبيقًا لمبدأ «القانون الأصلح للمتهم».
انتصار لسيادة القانون
واختتم أبو شقة تصريحاته بالتأكيد على أن الحكم يمثل انتصارًا لسيادة الدستور، مشددًا على أن المحكمة الدستورية العليا قامت بدورها كحارس للحقوق والحريات، ومنعت تداخل الصلاحيات بين مؤسسات الدولة في ملف يمس حياة وحريات آلاف المواطنين.

