اهم الأخبار:

مقالات

حامد بدر يكتب: عبس أم عبث؟!

حريتنا - حامد بدر يكتب:  عبس أم عبث؟!

كثيرًا ما سمعتها من أبي حين كنت صغيرًا في سن الخامسة "إحنا بنقرا في عبس"، وكنت اتسائل باستغراب ما الأزمة حين نقرا في عبس، إنها سورة في القرءان الكريم وتُتلى دائمًا في الإذاعة وأقراها في المصحف  بسم الله الرحمن الرحيم. عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءَهُ الأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى .. إلى آخر السورة، فما الضير في أن أقرأ عبس، وكنت في قرارة نفسي أقول ساقرا عبس وأرددها في خلجات نفسي سأقرأ عبس، رُغم ضميري الطفولي الذي كان يعذبني ويقول: تقرا عبس .. نقرأ عبس؟ ، وكنت أرد نعم سأقرأ عبس سورة أقرأها لأرضي ربي.

ولكنني سمعت مرةً أخرى  أن هناك مصطلحًا آخر اسمه العبث، وكنت حين أسمعه ينتابني الاستغراب من هول اللفظة، فقد استقرت صورة كاملة في ذهني أن العبث هو أن أفتح ذلك الجارور "درج المستلزمات" الذي تمتلكه أمي وأسطو على بعض الأشياء التي تخبئها عني كي لا أتلفها بحكم أني كنت طفلاً يجذبني كل ما هو غريب الشكل وممنوع، فكانت تقول وهي غاضبة "عيب عليك لا تعبث بأغراضي" فكنت أنظر لها بوجه عابس، وهنا فهمت أن مصطلح العبث "التخريب" غيرمصطلح العبس " الذي يعني أن تطل على أخيك بوجه متبرِّم" الذي كان يردده والدي كثيرًا حين يريد توجيهي بشيء والذي لم يعلمني معناه الاصطلاحي يومًا ما.

وحين بلغت سن الجامعة استقر في ذهني أن العبث يكون بأيادي الصغار الذين تحملهم امهاتهم أو أولئك "غير الراشدين" الذين لا يقدرِّون معنى الأشياء، وبالتالي فهم مرفوع عنهم التكليف والحساب لأنهم لم يدركوا بعد قيمة الأنا الأعلى التي تشمل القيم والمُثل والأخلاق، إلا أنه بطبيعة الحال وكأي كائن بشري يعيش في مصر أدركت أن العبث قد يقوم به الراشدون أيضًا بدوافع كثيرة ربما لقلة الضمير أو لاضطراب الرؤية أو لأنهم لا يجرؤ الصغار على مجادلتهم.

تغيّر لدي مفهوم العبث حتى صار وجهي أنا في "عبس" مما أراه في مجتمع صار يرضى كثيرًا من العبثيات التي لا حصر لها وبدون مبالغة في مجتمع فقير مُغيَّب، نعم تغير مفهوم العبث حتى خرجت إلى مجال العمل وبدأت أنظر في كل من حولي فوجدت أن العبث لا ينتهي فمديري يعبث ومديره يعبث حتى تعلمت العبث منهم وتغير وجهي العبوس إلى أقل عبسًا ويشتد تارةً أُخرى.

وهنا وجدت أن الجميع في مدرسة واحدة ولكن لكل تخصصه ودرجته في عبثه، وأن العابثين كجهنم لهم دركات أدناهم هم أعلاهم في واقع يفقد كل يوم مبدأ، ويخسر رواده كل يوم كرامة، ويزداد مستوى الشُبهات فيه.

تعلمت أن العابثين ربما يكونون كثير كما أن عبثهم كبير يمكن أن يسيطر على الضُعفاء أو الغافلين أو الجاهلين بحقيقة الأمور، وبهذا يقوى عابثهم ويصير كل يوم في شأن غريب في واقع عهود تملأها المحاذير، وبالتالي فعبثهم يدخل تحت قائمة القرارات، والمبادئ، وربما القوانين أواتفاقات لصالح كُبراء العابثين.

وأخيرًا تعلمت أن الضمائر الطفولية هي أنقى أنواع الضمائر وأبعدها عن العبث حتى وإن عبست وجوه أصحابها حتى وإن دفع أصحابها ثمن ذلك "العبث".

حامد بدر 


للاستماع للبث المباشر لراديو حريتنا اضغط هنا
للاشتراك في صفحتنا على الفيس بوك ومتابعة أخبارنا اضغط هنا
المصدر : حريتنا

اقرأ أيضا

تعليقات الموقع (0)

أضف تعليقك
الأسم
البريد الالكترونى
الهاتف المحمول
عنوان التعليق
التعليق
إرسال التعليق

تعليقات فيسبوك

حريتنا 2013 © جميع الحقوق محفوظة لدى موقع ( إحدى مواقع شركة LCA )