اهم الأخبار:

مقالات

حامد بدر يكتب| "وطن عاهر"

حريتنا - حامد بدر يكتب| "وطن عاهر"

سألتني يومًا متى عُرس الوطن متى يكون عُرس بلادي المحبوبة؟ لم أكن مستعدًا لذلك السؤال ولم تكن لدي النية أن أُجيب، حتى وجدتها تحمل فستان زفافنا وعيونها مضطربة ما بين بكاء وبكاء..

البكاء الأول كان من الفرحة .. دموع الفرحة غالية لا يعرفها سوى من تعب سهرًا حتى جافى طعم النوم عيناه.

 البكاء الثاني .. لم تكن دموعًا فقط، بل كان يصحبه النحيب من الحسرة على ضياع تالمأمول والمألوه وما سُلبت لأجله لحظات اطمئنان الليالي، وقرة العيون البريئة، وسلامة القلب النقي، حتى صار الشك كسكين بارد يقتلع القلب من جذوره الدموية. فوقفت حينها وقررت أن أرد .. ولكن بماذا أرد؟، وكيف تكون للإجابة قيمة ما دمت لا أكلك حتى صلاحية الرد، وما دمت افتقد لحق التصريح.

عيناي شردَت مائلةً إلى اليسار، في ماضِ سحيق الذكرى لا الزمنية، لا أذكر منه سوى جهالات، ومجون، وعُهر رضيت به حين أغفلت عيني عن قتل الأبرياء بدعوى الطائفية، حين تفاخر آبائي بامن بلادهم المزعوم، إبان دخول الدنس الأمريكي العراق عام 2003،  حين صمت الآباء ذواتهم بعدها بعشرة أعوام والدواعش يسلبون أرواح النصارى فقط لأنهم نصارى والشيعة فقط لأنهم أرادوا طريق مولاتهم لإمامهم في الشام والرافدين - هي مسائل لا تهمني فالكل حق أن يختار - ولكنني مازلت حاملاً الإثم متناسيًا الغفلة التي قتلت وذبَّحت وإن كانت عن جهالة.. فكيف لي أن أُجيب؟

هممت لأرد، ولكنني تذكرت آبائي -أيضًا - وهم يتحاكون عن غزو صدَّامي لإيران والكويت، وحروب ودماء، فما وجدت منها سوى تراهات واختلال في الرؤية صحبه اختلال في التفكير والتدبير، فزاغت عيناي مرةً أُخرى إلى اليسار وشردُت.

لم يكن سؤالها لي سوى سوطًا ياخذ مني ما يأخذ من قوة وكرامة، ولكنني ما هممت أن أرد حتى تذكرت إرثًا من المواثيق تركه الأجداد، فأطاحت بكرامة من هم مثلي من الشباب .. نعم الشباب الذي أخذ منه الزمان العنفوان وأبدله إياه وجهًا ناعمًا لا دموية فيه، حين قبلنا اتفاقية مع العدو، ومضت الأيام حتى صارت الاتفاقية معاهدة، والمعاهدة تطبيعًا، فحولها الآباء إلى صداقة وتحالف، حتى أصبح العدو محتل بدرجة مواطن أول يريد مشاطرتنا الوطن.

أنا أيضًا لست بريء .. أنا أيضًا مثلهم - مثل الآباء والأجداد - لقد رضيت بضياع القضية من أجل انتصار الرأي وثبوت صحة الرؤية، لقد رضيت بضياع قضيتي من أجل كسب الصراع، لقد رضيت بزوال قضيتي جزءًا جزءا من أجل الانتصار على الآباء، حتى ذابت القضية في بحر القوميات، فتفتت وضاعت جذورها في أرض المهاترات السياسية.

هنا قررت الرد .. وقلت لها دعكِ من العُرس فلن يقام بعد .. لست قادرًا أن أحميكي في زمن فيه الدماء أرخص من الذهب، والقلب فيه نوعًا من الدقات الميكانيكية، والحب فيه لا يساوي معنى الوطن الذي خسر صباه وشيخوخته .. خسر ماضيه وحاضره .. خسر معنىً للأمن والاستقرار وكسب مصطلحًا جديدًا هو حرب الإرهاب.

الكارثة في وطن زالت رجولته فضاعت كرامته بين معونات المنظمات الدولية، وقرارات المجالس الحاكمة لضمائر العالم.. الكارثة في وطن فقد شرفه فزالت حين سكن صهيون قدسنا ثم  سكنت الفرقة ديارنا، حين ذُبِحّ أولياء الله منذ فجر التاريخ بدعوى حماية الأرض.. ففقدنا ماهيات الشرف والعزة؛ من أجل مكاسب كبرياء الباطل والصراعات الطائفية.

صدقيني .. حين يفقد الوطن شرفه لا يبقى له سوى أن يهيم على وجهه راضيًا بسياط الانتكاسة أو أن يصرخ بكل ما فيه من قوة مواجهًا العالم: "نعم أنا وطن عاهر".. حينها سينتصر على خوفه من آثام الماضي فتتنزل عليه رسائل الغفران .. حينها فقط سيعود إلى مجده .. حينها فقط سيتم العُرس.

للاستماع للبث المباشر لراديو حريتنا اضغط هنا
للاشتراك في صفحتنا على الفيس بوك ومتابعة أخبارنا اضغط هنا
المصدر : حريتنا

اقرأ أيضا

تعليقات الموقع (0)

أضف تعليقك
الأسم
البريد الالكترونى
الهاتف المحمول
عنوان التعليق
التعليق
إرسال التعليق

تعليقات فيسبوك

حريتنا 2013 © جميع الحقوق محفوظة لدى موقع ( إحدى مواقع شركة LCA )