اهم الأخبار:

مقالات

سلمى والمحظور!

حريتنا - سلمى والمحظور!

حامد بدر

لم تكن كغيرها من الفتيات والصبيان، لم يكن اهتمامها بالجديد من الألعاب ولا لتلك العرائس الملونة المملوءة بغرفتها، هي لا تحبها هي ترى جميعها أنها مجرد تماثيل صامتة لن تتحدث إليها كما لن تفهمها .. بالطبع لم تكن كمثيلاتها من الفتيات اللواتي يحببن العرائس ويضممنهن إليهن ساعة النوم، هي تبحث عنه .. عنه هو .. هو الذي تشعر بوجوده حولها منذ أن تسمع النداء في كل يوم.

 

هي فقط تمسك بالورقة والقلم.. تعشق تلك الأداة التي تحركها فتخرج خطًا مرسومًا تشكلها بأناملها التي لم تكتمل قوتها لدفع ثقل من حديد، فتكتب كل ما بداخلها، تلكما الوسيلة المثلى التي تترجم ما بداخلها، ألا وهي أن تكتب في عالم صارت فيه الكتابات دربًا من دروب الانشغال، وحكرًا لأصحاب الأضواء.

 

سلمى نحيلة الجسد آسرة القلوب بعيونها البراقة البسومة التي يُخيل لك أنها من المكر تنتظر لاقتناص فرصة أو ظاهرة أو ربما فكرة، فضولية هي لا ترضى بأي رأي كان من الصعب على أبويها أن يمنعاها من التفكير بذلك الأسلوب المختلف، الذي كانت تعتبره العائلة بأنه عدم استواء في التفكير وجرأة ليست في محلها، أسئلتها تبدو بعض الشيء غير منطقية أو سابقة لأوانها، مثل "كيف وُلدت، ومن خلقني، ومن خلق الله؟".

آثرت أن تكتب رسالة، بدلاً من الحديث مع هذين الأبوين المنشغلان بذلك الهاتف اللوحي الذي كادت أن تخطف انسيابية شاشته وتطوراته التي لا تنتهي عقليهما، فما عادا يشعران بنسمة رقيقة في بيت فسيح. فكتبت يومًا "يا صانعًا لنا معنى للوجود .. يا مرسلاً لكلمات محكمات أفرغ علينا صبرًا وارزقنا حبًا وفرحة"

ولكن إلى من تكتب؟ ولماذا؟ وكيف؟ إنها تكتب إلى كيان غير مرئي، رُغم شعورها الدائم به .. نعم إنه معها إنه دائمًا ما ينظر إليها، كتبت: "يرسل إلينا كل يوم رسالة، أقرأها في السماء فحينًا تشرق شمسًا في الصباح، وحينًا تمسي قمرًا مختلفًا الأطوار، أسمع صوت العصافير تناجيه وتناديني، إنه يحدثني كل يوم، نعم كتب لي الحياة وأيقظ عيني التي غفت، إنه لا يطمع مني بشيء .. هو فقط يحب، أما نحن لا نحب! .. بحبك يا رب،،

ممكن تحقق أملي؟ عاوزة أبقى دكتورة حلمي أطلع الفضا .. حلمي أسيب الأرض وأعيش في كوكب بلوتو بيقولو إنه بارد .. أنا باحب البرودة عشان بتجمعنا كلنا في مكان واحد، صحيح الكل مش مهتم بيا بس باكون مبسوطة لما باحس بيهم حواليا.. نفسي أزور تيتة اللي ماتت وأخلى جدي اللي باحبه ما يسيبناش زيها عاوزة اغير الكون.

عاوزة أشوف العالم كله حوليا بيبتسم، مش باحب أشوف ولا أسمع صوت الأطفال اللي بيموتوا و بيبكوا كل يوم في البلاد اللي حوالينا، هو أنا هكون زيهم؟ يا ربنا؟.

نفسي أسأل سؤال .. انت مين .. انت فين .. انت ليه؟ عاوزة اعرف .. نفسي اقابلك نفسي أتكلم واحكيلك حاجات كتير، ليه في خير وشر ؟ بس يا خسارة أن مش باعرف اشوفك وكمان بابا وماما مش بيشوفوك هما بيقولو كدة دايمًا، لو بتحبني خليني اشوفك .. بحبك يا رب".

 

لم يكن ذلك السرد البسيط للغاية، سوى مجرد كلمات نبعت من سجية طفلة عقلها فاق الحدود الطبيعية في التفكير، نداءات لم تتجاوز العشرة أعوام التي تساوي مقدار عمرها، بعد أن أنهت واجبها المدرسي الممل الذي امتلاً برتابة التكرار، هي تعلم كيف تكتب أم وأب ورب، ولكنها تفتقد لماهية اللفظة لمعنى الكلمة التي صارت روتينية في ذلك العصر الذي نعيش فيه، والذي صار مملوءًا بالحوارات المسترسلة والنزعات غير المجدية.

 

حين وصلت المدرسة في صبيحة اليوم التالي لم تكن تفكر سوى في مادة التعبيرعلها تجد من يجيب على أسئلتها، اليوم هي ستكشف عذرية كلماتها لأول مرة أمام زملائها، خاصةً بعد أن طلب المدرس موضوعًا جديدًا ومميزًا ليقرأه صاحبه أمام الجميع في الفصل، فما إن عرضت موضوعها على أستاذها، حتى استشاط  مدرس اللغة العربية غضبًا ليخضب الرسالة بعلامة حمراء كبير "x" منتقدًا كلامها النثري البسيط بأكثر الألفاظ فجاجة وتنفيرًا، ناظرًا إليها بوجه متجهم كأنها ارتكبت شيئًا محظورًا أو محرمًا؛ ليبدأ في تحذيرها أن تكتب مثل هذا الكلام مرةً أخرى  لما فيه من اعتداء على حرمة الله، معلقًا بكلمتين: "قلة أدب"؛ لتقف المسكينة  بدموعها الطاهرة لا تعلم كيف ترد..؟، ليتطور الأمر وتشتعل الأزمة ويُستدعى ولي أمرها الذي بدوره عنفها على ما كتبت..

 

أما زملائها فبدأوا في اعتزالها وتجنبها حسب أوامر صاحب المقام حضرة الناظر، الذي كان ينتفض من مكانه وكأن الساعة قد قامت؛ لتبقى سلمى وحيدة، فتتحول عيناها البراقة اللامعة شاخصتين، وتصير أكثر خجلاً، لتحصل على ثناء من حولها : "شاطرة بقيتي بنت مؤدبة".

تعود سلمى إلى البيت، صامتة لتكتب واجبها المدرسي الرتيب كما العادة، ثم إذا أتى الليل تناجي حبيبها دون أن تخبر أحدًا وتكتب رسائلها المُقدسة؛ لتدسها في صندوق خشبي صغير يملأه الظلام من كل جانب، مكتفيةً بنور تستشعره كل ليلة حين اكتمال البدر.. فلا محظورٌ عند الله في مناجاته.


للاستماع للبث المباشر لراديو حريتنا اضغط هنا
للاشتراك في صفحتنا على الفيس بوك ومتابعة أخبارنا اضغط هنا
المصدر : حريتنا

اقرأ أيضا

تعليقات الموقع (0)

أضف تعليقك
الأسم
البريد الالكترونى
الهاتف المحمول
عنوان التعليق
التعليق
إرسال التعليق

تعليقات فيسبوك

حريتنا 2013 © جميع الحقوق محفوظة لدى موقع ( إحدى مواقع شركة LCA )