اهم الأخبار:

مقالات

حامد بدريكتب| تعازينا .. حلب تحترق

حريتنا -  حامد بدريكتب| تعازينا .. حلب تحترق

حامد بدر

ما زلت أذكر تفاصيل هذا اليوم جيدًا، ما زلت أذكر ملامحها، تلك الفتاة الشامية، حين سألها رفيقي: "من أين أنتِ؟"؛ لترد بلكنة سورية أصيلة نقية، أنا حلبية من "حلب الشهباء"، مرسومة على وجهها البسوم المختلط ببقية فخر الأجداد، تعبيرات العزة ، رافعة رأسها وكأنها تعرض شجرة العائلة في مشهد مهيب لا يخلو من العظمة التي نراها في تلك المسرحيات الرومانية..

كان أدائها أشبه بأداء محترفة على خشبة المسرح، عارضة كل التفاصيل حاملة هوية واحدة، وكأن الأزمة لم تؤثر  فيها ولم تخطف بقية أحلامها، وكأن بلادها في أوج المجد، ليست مستضعفة ولا مستكينة، فقط عيناها الثابتتين الجاذبتين للناظرين تصف مشهدًا للكرامة وبقايا الذات المحفوظة، التي لم تمسها خسة الأنذال.

"مو كِل سوري حلبي يا إستاذ".. كان تلك الجملة موجهة إلى رفيقي الذي آثر الصمت، وكأنه يستدعي بقايا المجد أمام ذلك الهدوء الممزوج ببقايا عاصفة ربما أتت وربما تعود من جديد، مضيفة ليس كل شامي حلبي فسلالتنا نقية، لا نتزوج إلا من بعضنا.

تعجبت كثيرًا لقول تلك الفتاة التي لم تتجاوز الثمانية عشر ربيعًا، والتي سكنت مع أهلها الذي فروا، إثر الأزمة، من مصائر ومصائب ربما كانت من نصيبهم إن بقوا، تعجبت من تلك القوة من ذلك العنفوان، وتسائلت لبرهة "من أين أتت بهذا الفخر وبتلك العزة ؟"،  ولكن سرعان ما زال هذا العجب الالذي بدى على وجهي.. إن حلب التي خرج منها سليمان الحلبي، ذلك الفتي العشريني الذي انقض على الجنيرال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر في الفترة من (1798م-1801م)، وشده بعنف وطعنه 4 طعنات متوالية أردته قتيلاً، لأنه ببساطة لم يتحمل كعربي رؤية أجنبي يدنس أرضها.

المدينة الشهباء، والتي تعني اسم ناصعة البياض، اليوم خضبتها دماء الأبرياء، بأيدي الساسة الذين لا يألون لبراءة الأطفال اهتمامًا، اليوم حلب تسود بياضها من دنس طغاة، آسف أنهم من أهلها.

نحن لسنا بصدد أن نناقش التداعيات لضرب المدينة أو لسحق المعارضة السورية للرئيس بشار الأسد، ولكنها الإنسانية التي تدفع بعضنا لأن يثور غضبًا، ويزداد الوجه حمرة كحُمرة الدماء المحرمة التي سالت هذا اليوم.. اليوم سالت دماء شهيدة وشاهدة على قصر نظر يتمتع به – للأسف – جل حكامنا العرب.. اليوم يظهر أقصى ما نمتلك "الثالوث النوني" نشجب .. نرفض .. نعترض؛ ليصير الضعف والخذلان عنواننا، وتصير الرحمة في قلوبنا إلى هلاك جهنمها الحجر.

أيتها الفتاة الحلبية تعازينا .. اليوم حلب ضائعة .. اليوم #حلب_تحترق.


للاستماع للبث المباشر لراديو حريتنا اضغط هنا
للاشتراك في صفحتنا على الفيس بوك ومتابعة أخبارنا اضغط هنا
المصدر : حريتنا

اقرأ أيضا

تعليقات الموقع (0)

أضف تعليقك
الأسم
البريد الالكترونى
الهاتف المحمول
عنوان التعليق
التعليق
إرسال التعليق

تعليقات فيسبوك

حريتنا 2013 © جميع الحقوق محفوظة لدى موقع ( إحدى مواقع شركة LCA )